الانتحار.. عطايا الحرب الحوثية في اليمن (تقرير)

منذ سيطرت مليشيا الحوثي الإرهابية على أجزاء واسعة من المناطق اليمنية تحت قوة السلاح والتسبب بتعطيل دورة الحياة الاعتيادية في مختلف مناحيها، ارتفعت نسبة الجريمة بتنوع مسبباتها، وسجلت حالات الانتحار تزايداً ملحوظاً.

وقبل آخر المستجدات، أكدت مصادر محلية أن شاباً عشرينياً أقدم على شنق نفسه في محافظة أبين (جنوبي اليمن)، أصاب أسرته والمجتمع بحالة من الذهول.

وانتحر الشاب محسن محمد سعيد (21 عاماً)، في الساعات الأولى من صباح السبت 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2020م، إثر إصابته بحالة اضطراب نفسي، بحسب مقربين منه.

أرقام

وفي السياق، أفادت مصادر مطلعة، أن مليشيا الحوثي سجلت في تقارير رسمية -تحفظت عن نشرها عبر وسائل الاعلام- 152 حادثة انتحار خلال ستة أشهر فقط من العام الجاري، انحصرت جميعها في 10 محافظات خاضعة لسيطرتها. فيما يرى مراقبون أن العدد الحقيقي يفوق ذلك بكثير، بخاصة في العاصمة صنعاء ومحافظة إب اللتين تتصدران أعداد الحالات الموثقة.

وذكرت الإحصائية، التي أعدتها وزارة داخلية الحوثيين، أن حوادث الانتحار التي وقعت خلال نفس الفترة راح ضحيتها 152 شخصا بينهم 13 امرأة و9 أطفال.

وأشارت إلى أن أعداد المنتحرين خلال النصف الأول من العام الجاري من الذكور بلغوا 130 شخصاً تراوحت أعمارهم بين (18 - 45) عاماً.

وتتصدر محافظة إب الخاضعة لسيطرة الحوثيين (وسط البلاد)، قائمة حالات الانتحار، حيث سُجلت أكثر من 42 حالة خلال تلك الفترة، وفقا لمصدر أمني. فيما قالت مصادر حقوقية وأخرى إعلامية إنها رصدت أكثر من 25 حالة خلال الربع الأول من العام نفسه، وبذات المحافظة. في تزايد ملحوظ وملفت مقارنة بـ(15) حالة تم تسجيلها طيلة العام 2019م.

أوزار الحرب

وبشكل عام، لا توجد احصائية رسمية عن عدد حالات الانتحار في مختلف المناطق اليمنية بسبب الحرب التي تشهدها البلاد خلال الست السنوات الأخيرة، إلا انه لا يخلو أسبوع من نشر وسائل الإعلام المحلية خبر حدوث حالة انتحار تتنوع على امتداد البلاد بما فيها المناطق المحررة.

وارجع مسؤول أمني في حديث لـ"خبر"، تلك الأسباب إلى الحرب القائمة وما رافقها من انهيار اقتصادي وصحي وأمني رمت اوزارها على إثره فوق كاهل المواطن.

واحتل اليمن المرتبة الرابعة عربيا عام 2014 بنسبة 3.7 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص، وفقا لتقرير سابق أعدته منظمة الصحة العالمية.

انتحار النساء

حالات الانتحار لم تكن حكرا على الرجال والنساء الطُلقاء، بل شملت القابعين خلف قضبان معتقلات الحوثيين وتحديدا النساء.

وكانت قد أعلنت منتصف يونيو الماضي من يطلق عليهن "الزينبيات" -تشكيلات عسكرية نسائية تتبع ميليشيا الحوثي-، انتحار فتاة سجينة تدعى ( أ.أ) وتبلغ من العمر 23 عاما، داخل حمام السجن الخاص بالنساء في السجن المركزي بصنعاء، ليتم لاحقا إبلاغ أهلها بالحادثة.

إلى ذلك أفادت مصادر مطلعة أن سجينتين أخريتين حاولتا الانتحار في تلك الفترة وبذات السجن، إلا انه تم انقاذهما ونقلهما الى العناية المركزة لحرج حالتهما.

وشوهد لجوء معظم المعتقلات إلى الانتحار مع اقتراب موعد الافراج عنهن، وهو نفس مصير العشرات ممن تم اطلاق سراحهن ناهيك عن تعرض بعضهن للتصفية من قِبل ذويهن، هروبا مما يعتبرونه "العار" يظل يلاحق اقاربهن طيلة حياتهن، وفقا لنظرت المجتمع القبلي اليمني.

وفي مايو 2019 قالت المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، إنها وثقت انتحار امرأتين دخل سجون جماعة الحوثي، الأولى في سجن مجهول، والأخرى في السجن المركزي، مشيرة إلى أن ذلك يأتي بعد تسجيل حالتي انتحار مماثلتين تم توثيقهما في وقت سابق، ليصل عدد حالات السجينات المنتحرات إلى 4 حالات خلال تلك الفترة من العام.

وذكرت ان السجينات يتعرضن لضغوط نفسية وحرمان من الزيارة، وانتهاكات لفظية وجسدية تصل حد الاعتداء الجنسي على بعضهن وتلفيق تهم غير اخلاقية وأخري استخباراتية ضدهن، مما يدفع معظمهن إلى محاولة الانتحار غالبا ما يكون الفشل حليفهن في استكمال تلك العملية.

بطالة ونهب

وفي حديث لوكالة "خبر"، حمَّل ناشطون وحقوقيون يمنيون، المليشيا الحوثية المدعومة إيرانيا، مسؤولية تدهور الوضع المعيشي بسبب تفشي البطالة وانقطاع الرواتب والنهب الممنهج طيلة ست سنوات، وهي الأمور التي زادت من حجم الضغوط والالتزامات المعيشية في الوقت الذي يتنعم فيه قادة الحوثي بالمزيد من الأموال والعقارات.

ويرى باحثون اجتماعيون، أن دوافع حالات الانتحار سببها الضغوط النفسية والظلم الذي يتعرض له المواطنون اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا، والامتيازات التي تطبقها جماعة الحوثيين وفقا لفرز طائفي، إذ تعمدت قطع رواتب الموظفين، وهو الأمر الذي خلف مشاكل أسرية وضغوطا نفسية واقتصادية أوجدت اختلالات نفسية، ووضعت المواطن امام خيار واحد هو "الموت جوعا".

وهذه الاحصائيات لم تشمل الا فترات محدودة من العامين الاخيرين للحرب، مما يكشف حجم الكارثة التي قادت الحرب الحوثية الشعب إليها على طول سنواتها الست لما رافقها من تنوع في الانتهاكات والجرائم على مختلف الجوانب والأصعدة.

وذكرت مصادر حقوقية وأخرى أمنية أن حالات الانتحار لم تخل من إقدام أولياء أمور على تصفية أفراد أسرهم هروبا من شبح الجوع والحاجة الماسة إلى مساعدات أصبح نحو 24 مليون نسمة من إجمالي سكان البلاد البالع 30 مليون نسمة، بحاجة ماسة إليها، وفقا لمنظمات الأمم المتحدة.