الجغرافيا قبل السياسة.. قراءة تحليلية في مسار القضية الجنوبية في اليمن

تجاوزت القضية الجنوبية في اليمن، منذ سنوات، إطارها الأولي بوصفها ملفاً حقوقياً ناتجاً عن ما يسوّق بأنه اختلالات ما بعد حرب 1994، لتتحول تدريجياً إلى عنصر فاعل في صراع أوسع يتداخل فيه المحلي بالإقليمي والدولي، بحسب ما تشير تحليلات سياسية.

ويذهب محللون إلى أن هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن الموقع الجغرافي لجنوب اليمن، بوصفه أحد أهم المراكز الاستراتيجية المشرفة على باب المندب والبحر العربي.

ويُجمع باحثون في الجيوبوليتيك على أن الجغرافيا اليمنية شكّلت، تاريخياً، محركاً رئيسياً للتدخلات الخارجية، حيث يربط اليمن من جهته الجنوبية بين خطوط الملاحة الدولية وممرات الطاقة، ما جعله محل اهتمام متواصل من القوى العالمية الكبرى.

ووفق هذا المنظور، فإن إعادة تصاعد الاهتمام الدولي بالمحافظات الجنوبية يعكس عودة الاعتبارات الاستراتيجية إلى الواجهة، أكثر من كونه استجابة خالصة لمطالب محلية.

بريطانيا وعدن

وتُظهر قراءة تاريخية أن هذا النمط ليس جديداً، فخلال فترة الاحتلال البريطاني التي استمرت حوالي 129 عاماً، ركزت بريطانيا على السيطرة العسكرية المباشرة على عدن والمناطق الساحلية، بوصفها نقاط ارتكاز بحرية، في حين اعتمدت في بقية المناطق سياسة التفكيك غير المباشر عبر سلطنات ومشيخات محلية موالية. 

ويرى مؤرخون أن هذا النموذج مكّن القوة الاستعمارية من إدارة الجغرافيا دون بناء دولة متماسكة، وهو ما ترك أثراً طويل الأمد على بنية الجنوب السياسية والاجتماعية.

معادلات الحرب الباردة

ومع ثورة 14 أكتوبر 1963، انتقل جنوب اليمن إلى مرحلة مختلفة، حيث دخل في معادلات الحرب الباردة، وتعزّز الحضور السوفييتي خلال السبعينيات والثمانينيات. 

ويشير باحثون إلى أن هذا الحضور كان مرتبطًا مجدداً بالموقع البحري الاستراتيجي، قبل أن تنتهي تلك المرحلة مع إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، التي أعادت توحيد السيطرة على الجغرافيا والموانئ ضمن دولة واحدة.

غير أن محللين يرون أن الوحدة، رغم أهميتها الجيوسياسية، لم تُنهِ الأطماع الدولية، بل دفعتها إلى البحث عن مقاربات بديلة. ففي النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، برزت محاولات لإعادة فتح الملف الجنوبي في سياق سياسي جديد، مستفيدة من تداعيات حرب الانفصال في صيف 1994.

ويشير هؤلاء إلى أن المظلومية الجنوبية، بما تحمله من أبعاد واقعية وأخرى مُبالغ فيها، جرى لاحقاً توظيفها سياسياً لإعادة طرح مشاريع تقسيمية، باعتبارها مدخلاً أقل كلفة للنفاذ إلى الجغرافيا الاستراتيجية.

وفي السياق الراهن، يرى مراقبون أن مسار القضية الجنوبية اتخذ منحى أكثر تعقيداً، مع بروز قوى محلية مدعومة بتحالفات إقليمية، وتبنّي خطاب انفصالي يستدعي مسميات تاريخية مثل "دولة الجنوب العربي". 

ويعتبر باحثون أن هذا الاستدعاء يحمل دلالة رمزية تتجاوز البعد المحلي، ويعكس محاولة لإعادة إنتاج كيان سياسي هشّ، يعتمد على الدعم الخارجي مقابل تقديم امتيازات استراتيجية.

ويحذّر خبراء أمنيون من أن تقسيم اليمن، في حال تحققه، قد يفتح فراغاً أمنياً واسعاً في جنوب البلاد، ويحوّله إلى ساحة تنافس دائم بين قوى إقليمية ودولية، بما ينعكس على أمن الممرات البحرية ودول الجوار والمنطقة، خصوصاً في ظل الصراع القائم بين المحورين الأمريكي- الاسرائيلي من جهة، والإيراني- الروسي وبقية حلفائهما من جهة أخرى، وتحويل اليمن وسوريا ولبنان والسودان إلى ساحات صراع مفتوح لمصالحهم. 

ووفق هذه التقديرات، فإن تعدد الفاعلين الخارجيين يقلّص فرص بناء كيان مستقر، ويزيد من احتمالات الصراع طويل الأمد.

اجتياح عسكري

وعلى المستوى الداخلي، تشير تحليلات إلى أن غياب إطار وطني جامع في جنوب اليمن، وحالة الاستقواء المتوارثة منذ عقود وربما أكثر، وفرض تيار أو منطقة ما الوصاية على البقية والانفراد بالقرار فاقم الانقسامات المناطقية والسياسية. 

وتستدل هذه التحليلات بأحداث اجتياح قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لمحافظتي حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025، حيث أظهرت توترات ميدانية مرتبطة بالسيطرة على مناطق ذات موارد طبيعية، ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة الصراع وحدوده.

ويعد هذا الاجتياح هو ثاني اجتياح عسكري تتعرض له المحافظات الشرقية خلال نصف القرن الأخير.

ويرى محللون أن انتقال مركز الثقل من مطالب سياسية إلى صراعات على الموارد يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة الأزمة. فالمظالم، وفق هذا الطرح، يمكن احتواؤها عبر تسويات سياسية، بينما تميل صراعات الثروة إلى الاستدامة، وتستدعي تدخلات خارجية متزايدة.

ويجمع الباحثون على أن أي قراءة للقضية الجنوبية لا تدمج الجغرافيا بالسياسة تظل قراءة منقوصة. فالتاريخ اليمني، ولا سيما في الجنوب، يبيّن أن السيطرة على الموانئ والممرات البحرية كانت دائماً مقدّمة للتأثير في القرار السياسي. 

ويحذّر هؤلاء الباحثون من أن تجاهل هذا البعد قد يقود إلى إعادة إنتاج أنماط صراع قديمة بصيغ جديدة، ما لم تُعالج القضية ضمن إطار وطني شامل يعيد الاعتبار للدولة بوصفها الضامن الوحيد لتحييد الجغرافيا عن صراعات النفوذ.