بعد غارات مجمع تبريز.. استهداف البتروكيماويات يكشف تحولاً في الضغط الأمريكي على إيران
أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، بأن غارات جوية نُسبت إلى الولايات المتحدة أو إسرائيل، في 30 مارس/آذار 2026، استهدفت وحدة إنتاج في مجمع تبريز للبتروكيماويات شمال غربي إيران.
وقالت الشركة المشغلة للمجمع، إن فرق الطوارئ سيطرت على الحريق دون تسجيل إصابات أو تسرب مواد خطرة، فيما يواصل مهندسون تقييم الأضرار الفنية وتأثير الحادث على سير العمليات.
ورغم أن الاضطراب بدا محدوداً في مراحله الأولى، إلا أن الضربة تُنذر بتصعيد محتمل، بحسب تقرير صادر عن منتدى الشرق الأوسط أعدّه الخبير الاستراتيجي في شؤون الطاقة أمود شكري.
وأشار التقرير إلى أن استهداف البنية التحتية للبتروكيماويات بدلًا من المنشآت النووية أو العسكرية يعكس تحولاً نحو الضغط الاقتصادي، مسلطاً الضوء على هشاشة قطاع يمثل أحد أعمدة صمود إيران في مواجهة العقوبات.
وأوضح التقرير أن مجمع تبريز يؤدي دوراً محورياً في الاقتصاد الصناعي الإيراني، إذ تبلغ طاقته الإنتاجية السنوية نحو 870 ألف طن من البوليمرات، تشمل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين والبوليسترين وأكريلونيتريل بوتادين ستايرين، لتلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير، خصوصًا إلى الأسواق الآسيوية.
وخلال الأشهر التسعة الأخيرة من عام 2025، تجاوزت قيمة صادرات المجمع 23 مليون دولار، وهو رقم محدود نسبياً لكنه يعكس أهمية القطاع ضمن التجارة غير النفطية.
وأضاف التقرير أن إيران اعتمدت على قطاع البتروكيماويات لتعويض القيود المفروضة على صادرات النفط الخام، إذ تتمتع هذه المنتجات بمرونة أكبر في النقل وتتعرض لضغوط أقل مباشرة من حيث الإنفاذ.
ويُقدَّر أن هذا القطاع يدر نحو 15 مليار دولار سنوياً، ويدعم صناعات متعددة مثل البلاستيك والتعبئة والبناء.
شبكات تجارة بديلة
وتحت مظلة الشركة الوطنية للبتروكيماويات، واصلت إيران توسيع إنتاجها مستفيدة من انخفاض كلفة المواد الخام وشبكات تجارة بديلة، ما مكّنها من الحفاظ على نمو الإنتاج والصادرات رغم العقوبات.
وبحسب التقرير، يعكس استهداف مجمع تبريز تحولاً في نمط العمليات، إذ ركزت الهجمات السابقة على المنشآت النووية والبنية التحتية للصواريخ وأصول الحرس الثوري، بينما تستهدف الضربة الحالية مصادر الدخل المباشر.
ويهدف هذا التوجه إلى تقليص قدرة إيران على الوصول إلى العملات الأجنبية وإضعاف قاعدتها الصناعية.
وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد الإيراني يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة لتحقيق الاستقرار النقدي وتمويل الواردات.
وبينما تعافت صادرات النفط لتتراوح بين 1.5 و2.1 مليون برميل يوميًا عبر أساليب التفاف على العقوبات، توفر البتروكيماويات مصدر دخل أكثر تنوعاً واستقراراً.
وقد يؤدي أي اضطراب في تبريز إلى تراجع الصادرات وتآكل احتياطيات النقد الأجنبي وزيادة الضغوط على الأسعار المحلية.
ولفت إلى أن الخطر الأكبر يكمن في الطابع المنهجي لهذا النوع من الاستهداف، إذ تضم إيران أكثر من 50 مجمعاً للبتروكيماويات، يتركز عدد كبير منها في مناطق صناعية محددة، ما يجعلها عرضة للضربات.
وحتى الأضرار المحدودة تدفع إلى تحويل الموارد نحو أعمال الإصلاح وترفع تكاليف التأمين والحماية، فيما قد تؤدي الهجمات المتكررة إلى إضعاف كفاءة القطاع ككل.
وفي هذا السياق، تواجه استراتيجية "اقتصاد المقاومة" ضغوطاً متزايدة، إذ تُعد البتروكيماويات مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية.
ومن شأن تراجع الإنتاج وارتفاع التكاليف أن يضعفا القدرة التصديرية ويزيدا من معدلات التضخم، مع احتمالات تسارع تراجع العملة، ما قد يدفع صناع القرار إلى تقليص الدعم أو التوسع في السياسة النقدية.
وأشار التقرير إلى أن هذه الضربة تأتي ضمن دورة تصعيد أوسع منذ فبراير/شباط 2026، حيث توسعت العمليات لتشمل أهدافاً مدنية وصناعية مثل المطارات ومستودعات الوقود، إلى جانب المواقع العسكرية.
وردّت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على أهداف داخل إسرائيل وفي محيطها، فيما تواصل جماعات حليفة لها استهداف البنية التحتية للنقل والطاقة.
وأوضح أن استهداف الأصول الاقتصادية يرفع مستوى التوتر عبر فرض كلفة طويلة الأمد دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنه في الوقت ذاته يزيد من مخاطر سوء التقدير.
وتجد إيران نفسها أمام خيارين، الأول هو التصعيد والمخاطرة بتوسيع النزاع، والثاني ضبط الرد مع احتمال التعرض لمزيد من الضربات.
ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين
ولا تزال الأطراف الإقليمية عرضة للتداعيات، إذ سبق أن تأثرت دول الخليج العربي بهجمات طالت منشآت الطاقة، فيما تحتفظ إيران بقدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
وحتى التدخل المحدود قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين، في وقت تُقيّد فيه التحذيرات الأمريكية خيارات الرد الإيراني.
وأشار التقرير إلى أن إيران تصدر منتجاتها البتروكيماوية إلى أسواق آسيوية رئيسية، من بينها الصين والهند وكوريا الجنوبية، حيث تغذي هذه الصادرات صناعات مثل البلاستيك والمنسوجات والسيارات.
وقد يؤدي أي اضطرابات إضافية في تبريز إلى تضييق الإمدادات، خاصة إذا تكررت الضربات.
وتواجه أسواق الطاقة ضغوطاً متزايدة، مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات، ما عزز مؤقتاً عائدات إيران النفطية، إلا أن استهداف البتروكيماويات يضعف مصدر دخل آخر أكثر قدرة على الصمود، ما يزيد من تقلبات السوق.
وتتعرض سلاسل التوريد العالمية لضغوط إضافية، في ظل اضطرابات مستمرة في طرق التجارة البحرية. وقد يؤدي نقص المواد البتروكيماوية إلى ارتفاع أسعار البلاستيك والأسمدة ومدخلات صناعية أخرى، بما يسهم في تغذية التضخم عالمياً. ورغم أن الأسواق الغربية أقل اعتماداً على الإمدادات الإيرانية، إلا أنها قد تتأثر بشكل غير مباشر عبر زيادة المنافسة على البدائل.
واختتم التقرير بأن المنافسين الإقليميين قد يستفيدون على المدى القصير، إذ يمكن لمنتجين في السعودية والإمارات وقطر توسيع حصصهم السوقية في حال تراجع الإنتاج الإيراني، مع بقائهم عرضة لمخاطر التصعيد.
وعلى المدى الأبعد، قد يؤدي استمرار عدم الاستقرار إلى تسريع الاستثمار في مراكز إنتاج بديلة، بما في ذلك الصناعات البتروكيماوية المعتمدة على النفط الصخري في الولايات المتحدة والقدرات الناشئة في آسيا، بينما قد يجعل أي تغير مستقبلي في إيران عملية التعافي أكثر تعقيداً.