قناص الحوثي.. يحصد الحقائب المدرسية

لا يمكن للغة مهما بلغت جزالتها أن تصف تلك اللحظة التي يتوقف فيها الزمن في حي الروضة بتعز.

 حين يقرر قناص حوثي موغل في الحقد، من وراء منظاره القاتل، أن ينهي رحلة طفل عاد لتوّه من مدرسته يحمل أحلاماً صغيرة في حقيبة مثقلة بالدفاتر، ليحولها في رمشة عين إلى كفنٍ مخضب بالبراءة. 

إنها ليست مجرد جريمة قنص عابرة، بل هي تكثيف بشع لمشروع سلالي يقتات على أشلاء الصغار، ويدعي زوراً وبهتاناً نصرة الدين وغزة، بينما فوهات بنادقه لا تعرف طريقاً سوى صدور أطفال اليمن، فأي دين هذا الذي يبيح ذبح الطفولة على عتبات المنازل؟ 

وأي مروءة يدعيها من يرى في صراخ شقيقة إبراهيم الصغيرة، وهي ترتعد ذعراً وتبكي بمرارة فوق جثمان شقيقها المسجى، انتصاراً عسكرياً؟

 لقد كان مشهد تلك الطفلة، وهي تحكي بدموعها المنهمرة قصة الغدر التي طالت سندها أمام عينيها، كفيلاً بأن يزلزل الجبال، لكنه لم يحرّك شعرة في ضمير القتلة، ولا في وجدان المجتمع الدولي الذي أدمن الصمت المفضوح والتجاهل المريب لجرائم المليشيات الحوثية، مكتفياً ببيانات القلق الباردة التي تمنح القاتل ضوءاً أخضر للاستمرار في عبثه.

 وفي قلب هذه المأساة، تبرز صورة الأم المكلومة وهي تهرع إلى المستشفى، لا لتستقبل طفلها بابتسامة العائد، بل لتجده جثة هامدة اخترقت رصاصة الغدر صدره الغض، في مشهد يختصر كل معاناة تعز التي تدفع ضريبة انحيازها للحرية ومشروع الدولة والجمهورية. 

إن تعز، وهي قلعة الصمود التي لم تنحني يوماً، تعيش اليوم بين مطرقة الإجرام الحوثي وسندان الخذلان السياسي، وهنا يبرز العتب المرّ واللوم القاسي الموجه للمجلس الرئاسي والحكومة الشرعية والأحزاب السياسية، التي يبدو أنها غرفت في وحل الحسابات الضيقة ونسيت واجبها المقدس في حشد الجهود وتفعيل الجبهات وتصعيد الضغط الإقليمي والدولي لكسر هذا الحصار وإنهاء هذا الانقلاب الغاشم، والجاثم علي صدور اليمنيين.

إن دماء إبراهيم وأنين شقيقته هما صرخة في وجه كل مسؤول يمني يتقاعس عن استعادة الدولة، وتعرية كاملة لهذا الحوثي الذي يرفع شعارات المظلومية بينما يمارس أبشع أنواع الطغيان، فمن يقتل أطفال شعبه بدم بارد، لا يمكن أن يكون ناصراً لقضية أو حاملاً لرسالة، بل هو محض كابوس جاثم على صدر الوطن، لن يزول إلا باجتماع الإرادة والوفاء لتضحيات هذه المدينة الصابرة،  التي ستظل دماء أطفالها لعنة تطارد القتلة والمتخاذلين على حد سواء.