الخصم الحقيقي في عقلية النظام الإيراني: قراءة في تصعيد طهران ضد الخليج
تكشف التطورات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط عن سلوك سياسي وأمني إيراني مثير للجدل، بل ومحمّل بتناقضات صارخة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
فبينما كانت إيران تتعرض لضربات جوية مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، اختارت طهران أن تجعل دول الخليج العربي ساحة الرد الرئيسية، عبر موجات كثيفة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في تصعيد تجاوز من حيث الحجم والكثافة ما وُجّه فعليًا نحو إسرائيل.
المفارقة اللافتة في هذا المشهد أن إجمالي ما أطلقته إيران باتجاه السعودية والإمارات والبحرين والكويت يفوق بأضعاف ما استُخدم ضد إسرائيل، رغم أن الأخيرة كانت طرفًا مباشرًا في استهداف العمق الإيراني.
هذا الخلل في اتجاه النيران لا يمكن تفسيره عسكريًا فقط، بل يعكس ترتيبًا واضحًا لأولويات الخصومة لدى طهران، التي يبدو أنها تضع دول الخليج في صدارة خصومها الفعليين، قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. فبينما جاء الرد على الضربات الأمريكية والإسرائيلية محدودًا ومحسوبًا، اندفع التصعيد الأوسع والأكثر كثافة نحو الخليج، في مؤشر على أن الصراع الحقيقي في العقل السياسي الإيراني يُدار أولًا ضد محيطه العربي، لا ضد خصومه الدوليين.
سياسيًا، لا يبدو ما أقدمت عليه إيران مجرد محاولة لتصدير الصراع، بقدر ما يعكس تصورًا راسخًا لديها بأن ساحة المواجهة الأساسية هي الخليج. ففي الوقت الذي ظلت فيه المواجهة مع واشنطن وتل أبيب محكومة بسقوف محسوبة ورسائل مضبوطة، اندفع التصعيد الأوسع نحو دول الخليج، عبر استهداف منشآت طاقة وبنى تحتية ومناطق مدنية، بما يشير إلى أن طهران ترى في محيطها العربي خصمًا مباشرًا ينبغي كسره أو إخضاعه، لا مجرد ساحة جانبية للصراع.
ويكشف هذا المسار ازدواجية عميقة بين الخطاب الإيراني والممارسة الفعلية. فبينما تُسوّق طهران نفسها إعلاميًا كقوة ردع في مواجهة إسرائيل، تُظهر الوقائع الميدانية أن الرد تجاه تل أبيب بقي محدودًا ورمزيًا، في مقابل تصعيد مكثف ومباشر ضد دول الخليج. هذا التناقض يضع الخطاب الإيراني موضع تساؤل جدي، إذ تُرفع شعارات المواجهة الكبرى، بينما تُفرَّغ أدوات التصعيد الثقيلة في محيط عربي لم يكن طرفًا مباشرًا في استهداف إيران، لكنه بات الهدف الأول في معادلة الصراع.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يمثل فقط انتهاكًا لسيادة دول الخليج، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي، ولأمن الطاقة العالمي، ويضع المنطقة أمام احتمالات توسع الصراع بدل احتوائه.
كما يدفع دول الخليج إلى تعزيز تحالفاتها الدفاعية والانخراط بشكل أعمق في ترتيبات أمنية إقليمية ودولية، ما يقود عمليًا إلى عكس ما تدّعي طهران السعي إليه.
إيران لم تُدِر ردًا دفاعيًا بقدر ما كشفت عن ترتيب أولوياتها في الصراع. فبينما تلقت ضربات مباشرة على أراضيها، اختارت أن تجعل الخليج ساحة التصعيد الأوسع، مؤكدة أن الخصومة الحقيقية في حساباتها لا تُدار مع من يقصفها، بل مع محيط عربي تدفعه ثمن رسائل سياسية لا تعنيه.