باكستان بين مطرقة "الولاء لواشنطن" وسندان "الجوار الإيراني".. رقصة على حافة الحرب
عدن ـ خبر للأنباء:
أفاد تقرير تحليلي نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" بأن باكستان أمضت العام الماضي في بناء ثقة الولايات المتحدة بعناية، بالتوازي مع الحفاظ على علاقة وظيفية مع إيران، في مسار دبلوماسي دقيق مهّد لدورها الحالي كوسيط بين الطرفين.
وأشار التقرير إلى أنه في السابع من أبريل، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن الطرفين أظهرا "حكمة وتفهماً ملحوظين"، وداعياً الوفدين إلى الاجتماع في إسلام آباد خلال عطلة نهاية الأسبوع التالية.
وذكر التقرير أن باكستان لم تصل إلى هذا الدور مصادفة، بل نتيجة مزيج من الضرورات الجغرافية والتخطيط الاستراتيجي والانضباط الدبلوماسي، موضحاً أن موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة جعلاها الوسيط الوحيد المقبول لدى كل من واشنطن وطهران.
اعتبارات الجغرافيا
وأوضح التقرير، الذي أعده محلل المخاطر الجيوسياسية المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وساي مير، أن السياسة الخارجية الباكستانية تجاه إيران لم تكن يوماً خياراً طوعياً بالكامل، بل تحكمها اعتبارات الجغرافيا، حيث يتشارك البلدان حدوداً تمتد لنحو 900 كيلومتر.
وتُعد إيران بالنسبة لباكستان ممراً حيوياً للطاقة والتجارة، وفي الوقت ذاته مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار، خصوصاً في إقليم بلوشستان الذي شهد نشاطاً مسلحاً عابراً للحدود.
وقد فرض ذلك على إسلام آباد تبني نهج حياد محسوب تجاه طهران، وهو نهج مستمر عبر الحكومات المتعاقبة.
وأشار التقرير إلى أن هذا التوازن ظهر بوضوح خلال الحرب العراقية الإيرانية، إذ رفضت باكستان الانحياز لأي طرف رغم الضغوط الدولية، وحافظت في عهد الرئيس محمد ضياء الحق على علاقات مع إيران، في وقت مالت فيه دول عديدة لدعم العراق.
وأضاف أن الثورة الإسلامية الإيرانية أكدت مبكراً لباكستان أن تداعيات عدم الاستقرار الإيراني يمكن أن تمتد إلى داخلها، خاصة في ظل وجود نسبة معتبرة من السكان الشيعة، ما جعل إدارة العلاقة مع طهران مسألة داخلية بقدر ما هي خارجية.
ولفت التقرير إلى أن التحديات تعاظمت مع تنامي دور الهند في إيران عبر مشروع ميناء تشابهار، إضافة إلى تأثير طهران في الملف الأفغاني، وتصاعد التوترات الطائفية والنشاط المسلح في المناطق الحدودية.
قطيعة دبلوماسية قصيرة
ووفقاً للتقرير، شهد عام 2024 تبادلاً لضربات محدودة بين البلدين عبر الحدود، أدى إلى قطيعة دبلوماسية قصيرة سرعان ما انتهت، ما أكد أن إدارة العلاقة مع إيران تمثل ضرورة هيكلية لباكستان، وليست مجرد خيار سياسي.
وتناول التقرير تداعيات مقتل علي خامنئي في 28 فبراير 2026 خلال غارات أمريكية إسرائيلية، مشيراً إلى أن باكستان شهدت احتجاجات واسعة لأبناء الطائفة الشيعية في مدن عدة، بينها كراتشي ولاهور وإسلام آباد، أسفرت عن سقوط قتلى، واقتحام متظاهرين القنصلية الأمريكية في كراتشي قبل تدخل قوات الأمن.
وأشار إلى أن الحكومة الباكستانية أدانت الضربات، ودعت في الوقت ذاته إلى التهدئة، ما عزز صورتها كطرف لا يمكن اعتباره تابعاً لأي من الجانبين، وهو ما شكل أساس مصداقيتها كوسيط مقبول.
وأوضح التقرير أن غياب بدائل أخرى عزز هذا الدور، حيث انشغلت روسيا بحربها في أوكرانيا، فيما اعتُبرت الصين قريبة أكثر من طهران، بينما كانت دول الخليج متأثرة مباشرة بالصراع، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، في حين افتقرت تركيا إلى قنوات اتصال مباشرة كافية مع واشنطن.
وأكد التقرير أن إيران رأت في باكستان وسيطاً مناسباً بحكم موقعها الجغرافي وتعقيداتها الداخلية، بينما جاء قبول الولايات المتحدة نتيجة علاقة وثيقة مع الرئيس دونالد ترامب، الذي أعاد بناء روابط قوية مع إسلام آباد منذ عودته إلى السلطة في 2025.
وأشار إلى أن رئيس الوزراء شريف سارع إلى التقارب مع واشنطن، وكان من أوائل المنضمين إلى مبادرة "مجلس السلام"، كما دعمت إسلام آباد جهود ترامب في الوساطة بين الهند وباكستان، بل ورشحته لجائزة نوبل للسلام، في خطوة عكست رغبتها في تعزيز العلاقة مع الإدارة الأمريكية.
ولفت التقرير إلى الدور المحوري لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي حظي بإشادة علنية من ترامب، واستُقبل في زيارة رسمية، ما عزز الثقة الشخصية بين الجانبين، وأسهم في قبول واشنطن بالوساطة الباكستانية.
وذكر أن الاتصالات المكثفة التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار شملت تنسيقاً مباشراً بين منير ومسؤولين أمريكيين وإيرانيين، بينهم جيه دي فانس وعباس عراقجي، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
وأشار التقرير إلى أن الفجوة لا تزال واسعة بين مطالب الطرفين، إذ تصر واشنطن على معالجة البرنامج النووي الإيراني، بينما تطالب طهران بالاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، وسحب القوات الأمريكية من المنطقة، والحصول على تعويضات.
مصلحة مباشرة
التقرير أكد أيضاً أن سد هذه الفجوة يتطلب وسيطاً قادراً على تحمل كلفة نقل الرسائل غير المعلنة بين الطرفين، وهو الدور الذي تسعى باكستان للقيام به، مستفيدة من موقعها الحساس بينهما.
وأوضح التقرير أن لباكستان مصلحة مباشرة في نجاح الوساطة، إذ أدى إغلاق مضيق هرمز إلى صدمة في أسعار النفط، ما يهدد اقتصادها المعتمد على الاستيراد، ويزيد من أعبائها المالية.
واعتبر أن هذه المصالح لا تضعف حياد باكستان، بل تعزز مصداقيتها، لأنها تمنحها دافعاً حقيقياً لإنجاح المفاوضات، على عكس الوسطاء الذين يفتقرون إلى مصالح مباشرة.
وأشار التقرير إلى أن باكستان حققت بالفعل مكسباً دبلوماسياً مهماً، إذ نجحت في كسر محاولات تهميشها دولياً، خاصة من جانب الهند، وأعادت تقديم نفسها كفاعل رئيسي في القضايا الدولية.
وأكد أنه حتى في حال فشل المحادثات، فإن باكستان ستخرج بعلاقات أقوى ومكانة دولية أفضل، بينما سيشكل نجاحها في التوصل إلى اتفاق إنجازاً دبلوماسياً بارزاً يعزز حضورها العالمي.
وختم التقرير بأن باكستان وصلت إلى هذا الدور بعد استنفاد البدائل الأخرى، وبفضل دبلوماسية طويلة الأمد، مشيراً إلى أن استجابة واشنطن وطهران لدعوتها تكشف عن مدى الاعتراف العملي بقدرتها على لعب دور الوسيط.