خفايا سقوط عمران 2014: تفاصيل التصفية الممنهجة وهندسة الانهيار.. حين شرعنت السلطة عبور الحوثيين إلى صنعاء

تكشف سلسلة من الشهادات المتطابقة لقيادات عسكرية وسياسية وقبلية يمنية عن سردية معقدة لسقوط محافظة عمران في يوليو/تموز 2014، والتي كانت تعد أحد أبرز معاقل حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين فرع اليمن)، وهي محطة مفصلية مهدت الطريق لتحولات كبرى في مسار الصراع بالبلاد. 

وتسلّط هذه الإفادات الضوء على ما تصفه بتداخل العوامل السياسية والعسكرية، وقرارات مثيرة للجدل داخل مؤسسات الدولة، وسط اتهامات بوجود ترتيبات غير معلنة أسهمت في إعادة رسم موازين القوى على الأرض.

كشفت شهادات قيادات عسكرية وسياسية وقبلية، تنتمي إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح، عن الجهة التي وقفت وراء سقوط محافظة عمران في يوليو 2014، وكواليس مكالمة هاتفية دارت بين وزير الدفاع حينها اللواء محمد ناصر أحمد وقائد اللواء 310 مدرع العميد حميد القشيبي، وكيف اخترق الحوثيون قيادات اللواء، قبل أن تسمح قيادة الشرطة العسكرية بتهريب دبابات عقب سقوط مركز المحافظة بيد الحوثيين. أعقب ذلك إعلان رئيس الجمهورية عودة عمران إلى "حضن الدولة"، في وقت لم تلبث فيه العاصمة صنعاء سوى أسابيع حتى لحقت بها، ضمن مسار انتهى –وفق روايات متعددة– إلى انقلاب موازين السلطة.

وكان عبد ربه منصور هادي قد تسلّم السلطة رسمياً في 27 فبراير/شباط 2012، خلفاً للرئيس علي عبد الله صالح، بموجب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، عقب انتخابات رئاسية توافقية مبكرة.

ولفهم السياق العام، شهد اليمن في فبراير/ شباط 2011 احتجاجات شبابية تزامنت مع أحداث "الربيع العربي"، رفعت مطالب إصلاحية، قبل أن تنخرط فيها قوى سياسية وتنظيمات مسلحة، من بينها حزب الإصلاح ومليشيا الحوثي.

وفي مارس/آذار 2011، استغلت مليشيا الحوثي حالة الاضطراب، وخاضت مواجهات مع القوات الحكومية انتهت بسيطرتها على محافظة صعدة، معقلها الرئيس.

وفي يناير/كانون الثاني 2014، صدرت توجيهات رئاسية بترحيل نحو 15 ألف شخص من السلفيين من منطقة دماج بمحافظة صعدة، عقب حصار ومواجهات مسلحة مع الحوثيين، في خطوة اعتبرها كثيرون تهجيراً قسرياً، ومؤشراً على تحول في مسار التوازنات، ومقدمة لتوسع المليشيا باتجاه صنعاء.

وفي فبراير/شباط 2014، سيطر الحوثيون على مدينتي حوث وخمر في محافظة عمران، قبل أن يتمكنوا في 8 يوليو/تموز من العام ذاته من السيطرة على مدينة عمران ومقر اللواء 310 مدرع، ثم التقدم نحو صنعاء التي سقطت في 21 سبتمبر/أيلول 2014.

وتُعد عمران أحد أبرز معاقل حزب الإصلاح الذي تتمثل قوته الاقتصادية في رجل الأعمال والقيادي البارز حميد الأحمر، فيما يمثل اللواء علي محسن الأحمر والفرقة الأولى مدرع جناحه العسكري، ولذا كان يرى هادي أن الإطاحة به لا يمكن أن تتم إلا عبر جماعة عقائدية متطرفة وهذه الصفة لا تتوافر إلا في مليشيا الحوثي.

صراع داخلي على مراكز النفوذ 

وفي قراءة لهذه التطورات، قال القيادي السابق في مليشيا الحوثي، علي البخيتي، إن سقوط عمران لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل نتيجة صراع داخلي على مراكز النفوذ داخل النظام.

وأضاف، في تسجيل تحليلي مرئي نشره على حسابه في منصة "فيسبوك"، أن الرئيس عبد ربه منصور هادي كان ينظر إلى حزب الإصلاح كتهديد متصاعد بعد انتقال السلطة، خاصة مع تراجع نفوذ المؤتمر الشعبي العام، ما دفع -وفق روايته- إلى التعامل مع مليشيا الحوثي كقوة موازنة.

وأشار إلى أن نفوذ حزب الإصلاح استند إلى دعم اللواء علي محسن الأحمر (قائد الفرقة الأولى مدرع)، الذي مثّل أحد أبرز الأذرع العسكرية في المرحلة الانتقالية، لافتاً إلى أن المواجهة المباشرة مع الحزب كانت معقدة، ما أدى إلى اعتماد خيارات غير مباشرة.

وتعزز هذه الرواية شهادة عمر القشيبي، نجل قائد اللواء 310 مدرع، الذي كشف في مقابلة مع منصة "اليمن بودكاست" عن تفاصيل اتصال هاتفي بين والده ووزير الدفاع، حاول فيها إلصاق تهمة تنظيم القاعدة إلى العناصر المحسوبة على حزب الإصلاح.

رواية لافتة.. اتصال الوزير للقشيبي

ينقل نجل القشيبي رواية لافتة عن اتصال هاتفي جرى بين والده ووزير الدفاع، تتعلق بسير المعارك في محافظة عمران. ووفقاً للرواية، تساءل الوزير خلال الاتصال عن غياب "تنظيم القاعدة" عن المواجهات، متسائلاً عن سبب عدم انخراطهم في قتال الحوثيين.

ويضيف أن والده ردّ مستغرباً: "أي قاعدة؟ ومتى وُجدت القاعدة في عمران؟"، في إشارة إلى نفيه وجود نشاط للتنظيم في نطاق المعارك الدائرة آنذاك. غير أن الوزير، بحسب الرواية، عاد ليؤكد تساؤله، مطالباً بالبحث عن تلك العناصر ودفعها إلى مواجهة الحوثيين.

وأشار نجل القشيبي إلى أن الوزير استخدم خلال حديثه تعبيراً شعبياً ذا طابع غير لائق، فضّل عدم إيراده، مكتفياً بالإشارة إلى مضمونه.

وأفاد نجل القشيبي بأن والده شدد على أن المواجهة مسؤولية القوات النظامية، مؤكداً أن دعم اللواء يكفي لخوض المعركة دون إشراك أطراف أخرى. 

واعتبر أن طرح وزير الدفاع سعى إلى تصوير معارك عمران كحرب ضد "جماعات إرهابية"، بما يوفر غطاءً سياسياً للحوثيين دولياً.

العولقي: الزعيم غاضباً من نهب الأسلحة وتهريب الدبابات

وفي سياق متصل، برزت شهادة قائد الشرطة العسكرية السابق في عمران، اللواء عوض محمد بن فريد العولقي، الذي أقر في مقابلة مع قناة المسيرة الفضائية بتلقيه اتصالاً من الرئيس السابق الزعيم علي عبد الله صالح، عبر جلال الرويشان، أثناء انعقاد اجتماع اللجنة الأمنية بالمحافظة، عقب سقوط معسكر اللواء 310. وقد عبّر صالح عن استيائه من عدم تدخل الشرطة العسكرية لوقف تقدم الحوثيين، الذين سيطروا على المعسكر ونهبوا مخازن الأسلحة وهربوا أكثر من 20 دبابة خلال الساعات الأولى للهجوم.

كما اعترف العولقي -الذي عينه الحوثيون لاحقاً محافظاً لشبوة- بأن قواته لم تتدخل، وهو ما يفسّره محللون بأنه مؤشر على أوامر عليا من وزارة الدفاع أو الرئاسة بعدم التدخل.

وتكشف هذه الشهادة عن خيانة واضحة في إدارة المعركة، حيث لم يكن العجز -وفق الوقائع- نتيجة مفاجأة ميدانية، بل نتيجة غياب قرار عسكري حاسم، مع بقاء وحدات قريبة من مسرح العمليات دون تحرك.

نجل القشيبي: الدفاع رفضت إمداد اللواء وقطع خطوط إمداد الحوثيين

هذه الخيانة تتقاطع مع شهادة نجل القشيبي الذي أكد أن والده طلب تزويد اللواء بـ500 قطعة سلاح لتسليح الجنود داخل المعسكر، إلا أن وزارة الدفاع رفضت ذلك، بالإضافة إلى رفضها اتخاذ إجراءات لقطع خطوط إمداد مليشيا الحوثي.

وأشار إلى أن تعزيزات بشرية تقدر بـ300 فرد وصلت لاحقاً، لكنها كانت من دون أسلحة شخصية، ما زاد العبء على اللواء بدلاً من تعزيز قدراته القتالية.

وفي تفاصيل المعركة، أوضح أن انسحاب إحدى مجموعات "المقاومة" من مواقعها داخل المدينة دون تنسيق، فتح ثغرة مكّنت الحوثيين من التقدم نحو مقر اللواء، ومحاصرته بعد إعادة انتشار قواتهم، ومنع القوات المتمركزة خارج المدينة من العودة لإسناده.

يأتي ذلك في الوقت الذي كان أركان اللواء قد سبق أن نشر إشاعة بانسحاب القائد القشيبي إلى خارج المعسكر، وهو ما تسبب في انسحاب العشرات من قادة السرايا والضباط والجنود، مشيراً إلى أن عدد من تبقى داخل المعسكر لم يتجاوز 250 فرداً، في مواجهة قوة متفوقة.

وبحسب هذه الشهادات، فإن نمط التعاطي مع المعركة، من رفض الإمدادات إلى تعطيل التحركات، يعكس وجود قرار ضمني بإسقاط اللواء، في سياق إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة.

وسقط اللواء 310 مدرع خلال أيام، وقُتل قائده حميد القشيبي داخل المعسكر، قبل أن يظهر الرئيس هادي في عمران معلناً "عودة المحافظة إلى حضن الدولة" في وقت كان ينتظر ذوو القشيبي حضوره للمشاركة في مراسم التشييع بصنعاء، في تصريح أثار جدلاً واسعاً، خاصة مع التطورات اللاحقة التي انتهت بسيطرة الحوثيين على صنعاء وفرض الإقامة الجبرية عليه.

 

باتيس: هادي ومحمد ناصر رفضا التعبئة للدفاع عن صنعاء 

كان سقوط عمران بوابة الدخول الى صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، حيث لم تكن سوى اسابيع من سقوط الأولى إلا أن مليشيا الحوثي كانت قد أحكمت تقدمها العسكري باتجاه الأطراف الشمالية للعاصمة، ووصلت إلى منطقة شملان، فيما كانت أصوات الاشتباكات بينها وبين قوات الجيش تتردد داخل قلب المدينة. 

ووفق مراقبين، كان يستدعي هذا التصعيد الميداني إعلان حالة استنفار حكومي قصوى لوقف الزحف المتسارع.

في تلك الأثناء، احتشد عشرات الآلاف من المواطنين القادمين من محافظات شمالية وجنوبية في شارع الزبيري، تحت ما سُمي بـ"الاصطفاف الوطني"، دعماً للحكومة والجيش. وتولى أمانة هذا الحراك القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، صلاح باتيس.

وفي إفادة سابقة أدلى بها لمنصة "مسند"، أوضح باتيس أنه، ومع وصول الحوثيين إلى مشارف صنعاء، صدر بيان باسم الاصطفاف، توجه به شخصياً إلى منزل الرئيس عبدربه منصور هادي، حيث كان بحضور وزير الدفاع آنذاك محمد ناصر أحمد، ورئيس جهاز الأمن القومي علي الأحمدي، ونائب رئيس جهاز الأمن السياسي اللواء علي منصور رشيد.

وبحسب روايته، طلب هادي من الحاضرين مغادرة المجلس مؤقتاً، ليبقى معه منفرداً، حيث سلمه البيان بوصفه ممثلاً عن المحتشدين، داعياً الرئيس إلى إعلان الحوثيين جماعة متمردة وإرهابية عبر التلفزيون الرسمي، وإطلاق دعوة للتعبئة العامة والنفير الشعبي لمواجهة تقدمهم، مؤكداً أن أعداداً كبيرة من المحتشدين مستعدة للانخراط في دعم الدولة عسكرياً.

غير أن رد هادي، وفق باتيس، اتسم بالتردد، مبرراً ذلك بوجود المبعوث الأممي آنذاك جمال بن عمر في صعدة لإجراء حوار مع الحوثيين، خشية أن يؤدي التصعيد إلى تصنيفهم كجماعة إرهابية. ويعتبر باتيس أن هذا الموقف وفر، عملياً، غطاءً سياسياً سمح للمليشيا بمواصلة تقدمها حتى السيطرة الكاملة على صنعاء.

وفي سياق حديثه، استحضر باتيس تجربة سابقة خلال صيف 1994، حين دعت الدولة -وكان هادي حينها وزيراً للدفاع- إلى التعبئة العامة، ما أسهم في حشد واسع من الشمال والجنوب وانتهى بهزيمة قوات الانفصال، معتبراً أن الظروف كانت تستدعي موقفاً مماثلاً.

ومع إلحاحه، اقترح هادي عرض فكرة التعبئة على القيادات العسكرية والأمنية التي كانت تنتظر خارجاً. وبالفعل، ناقش باتيس المقترح مع وزير الدفاع ورؤساء الأجهزة، مشيراً إلى توفر ما لا يقل عن 10 آلاف متطوع جاهزين للالتحاق بالمعسكرات. إلا أن رد وزير الدفاع جاء -بحسب وصفه- صادماً، إذ طلب إرسال 5 آلاف منهم إلى الجوف والبقية إلى قوات الفرقة الأولى مدرع التي كانت تحت قيادة علي محسن الأحمر.

ويضيف باتيس، أن رد الوزير حمل أيضاً اتهاماً سياسياً مباشراً، حين اعتبر أن الدعوة تهدف إلى منح جماعة الإخوان المسلمين شرعية تمكّنها لاحقاً من الانقضاض على الدولة، وهو ما وصفه بأنه تصريح لا يزال صداه عالقاً في ذهنه.

وأشار إلى أنه حاول استيضاح موقف بقية القيادات الأمنية، غير أنهم التزموا الصمت، قبل أن يعود إلى الرئيس هادي وينقل له فحوى رد وزير الدفاع. إلا أن رد هادي، وفق الرواية ذاتها، جاء فاتراً، معتبراً أن الوزير "يمزح"، الأمر الذي أثار استغراب باتيس في ظل دوي القصف الذي كان يُسمع في محيط العاصمة.

ويرى محللون عسكريون أن هذا التراخي في اتخاذ قرار حاسم بالتعبئة شكّل أحد العوامل التي مهدت لسقوط صنعاء بعد أيام قليلة، وسط اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن الانهيار.

وعند ربط هذه الوقائع باتصالات سابقة نُسبت لوزير الدفاع خلال معارك عمران، والمتعلقة بإثارة ملف تنظيم القاعدة كذريعة للصراع، يذهب بعض المحللين إلى أن ما جرى لم يكن مجرد معركة للسيطرة على العاصمة، بل جزءاً من ترتيبات أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في البلاد.

القاضي: سقوط الجوف جزء من صفقة إعادة عمران لحضن الدولة

لا تتوقف اتهامات "الخيانة الوطنية" الموجهة إلى القيادة السياسية والعسكرية في اليمن عند حدثٍ بعينه أو ظرفٍ محدد، غير أن واقعة سقوط محافظة عمران في يوليو 2014 -أو ما توصف بـ"تسليمها" للحوثيين- تظل واحدة من أبرز المحطات التي يُستدعى ذكرها بوصفها نموذجاً متكرراً في مسار الصراع.

وفي هذا السياق، عادت هذه الاتهامات إلى الواجهة مجدداً مع مطلع عام 2020، بالتزامن مع تراجع قوات الجيش اليمني في جبهات محافظة الجوف، وهي المحافظة التي كانت القوات الحكومية قد استعادت أجزاءً واسعة منها، بما في ذلك مركزها الإداري، أواخر عام 2015.

وفي فبراير 2020، وجّه القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح وعضو مجلس النواب، شوقي القاضي، اتهاماً مباشراً إلى الرئيس عبدربه منصور هادي ووزير الدفاع آنذاك محمد علي المقدشي، على موقع إكس (تويتر سابقاً) متهماً إياهما بالمسؤولية عن سقوط الجوف بيد الحوثيين.

وتساءل: هل هذا الانهيار للجيش "هو جزء من صفقة لإعادتها إلى حضن الدولة عبر تسليمها للحوثيين، كما حدث في عمران أو نهم، تحت غطاء تكتيكي؟". هذا التساؤل لا يمكن اعتباره سوى شهادة تاريخية خصوصاً وهي من قيادي في حزب كان شريكاً أساسياً في الدولة خلال تلك المرحلة.

وبحسب المعطيات الميدانية، بدأ الانحسار العسكري في الجوف مطلع فبراير 2020، ليتحول تدريجياً إلى انهيار واسع انتهى بسيطرة شبه كاملة للحوثيين على معظم جبهات المحافظة بحلول نهاية أبريل من العام ذاته.

وفي قراءة أوسع لمسار الأحداث، يرى مراقبون عسكريون أن ما تشهده اليمن منذ أكثر من عقد لا يمكن اعتباره مجرد تتابع عشوائي للأزمات، بل هو نتاج تفاعلات معقدة لعوامل داخلية وخارجية، تعود جذورها إلى الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في فبراير 2011، والتي تصدَّرت مشهدها مليشيا الحوثي وجماعة الإخوان المسلمين، تحت شعارات الإصلاح السياسي ومكافحة الفساد.

ومنذ ذلك الحين، تداخلت الأجندة المحلية مع حسابات إقليمية ودولية، لتتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، أسهم في تفكيك بنية الدولة وإطالة أمد النزاع، وصولاً إلى الحالة الراهنة التي تتسم بالتشظي وعدم الاستقرار.