خطيئة "التنظيم" في ثوب "الدولة".. كيف أربك إخوان اليمن مسار المعركة الوطنية؟
كشف تأخر المعركة الوطنية لاستعادة الدولة وإنهاء الإنقلاب الحوثي أن أحد أعقد أوجه الأزمة يتمثل في البنية الداخلية لمعسكر الشرعية نفسه، حيث تحول حزب الإصلاح، الذراع السياسية المحلية لـ تنظيم الإخوان المسلمين، من مكوّن يفترض أنه شريك في استعادة الدولة إلى عنصر إرباك مزمن أعاد تشكيل المشهد على نحو يخدم استمرار الفوضى أكثر مما يخدم إنهاءها.
ومنذ اللحظة الأولى، تعامل الإصلاح مع الحرب باعتبارها فرصة سياسية لا معركة وطنية. لم ينخرط بجدية في مواجهة الانقلاب الحوثي، وترك الجبهات تراوح مكانها، من ميدي إلى مأرب، ومن تعز إلى البيضاء، فيما كانت المواقع تُسلّم، والجبهات تُفرغ، والدماء تُستنزف بلا أفق، حيث يؤكد سياسيون أن هذا السلوك لم يكن عجزًا عسكريًا، بل خيارًا سياسيًا محسوبًا، امتدادًا لدور قديم في تمكين الحوثي منذ ما قبل 2014.
استغل الحزب وجوده تحت مظلة الشرعية ليعيد إنتاج نفسه كقوة مهيمنة، لا تقاتل الحوثي، بل تبتز التحالف، وتستنزف دعمه، وتبني قوات تدين له بالولاء لا للدولة. دعمٌ سخي بالمال والسلاح قُدّم، لكن نتائجه على الأرض كانت صفرًا. لينتج تداخلا سياسيا عسكريا خلق حالة من الازدواجية، انعكست على الأداء العام وأضعفت منسوب الثقة في وحدة القرار داخل معسكر الدولة.
الأخطر من ذلك أن هذا التشظي لم يبقَ في الإطار العسكري فقط، بل امتد إلى المجال السياسي والإعلامي، حيث جرى توظيف أدوات واسعة لإعادة تشكيل الرأي العام، ليس حول هدف استعادة الدولة، بل حول صراعات داخلية وخطابات متناقضة أضعفت الثقة العامة بمؤسسات الشرعية نفسها، حيث تحول الإعلام المرتبط بالحزب في كثير من الأحيان إلى أداة ضغط لا تقل تأثيرًا عن أدوات الصراع العسكري، لكن اتجاهه لم يكن دائمًا نحو تعزيز جبهة موحدة، بل نحو إدارة توازنات داخلية معقدة.
كما لعبت الماكينة الإعلامية للإصلاح دور رأس الحربة في هذا المسار، حيث عشرات القنوات والمواقع والحسابات الممولة، على تزوير الوقائع، وتشويه الانتصارات، والتحريض ضد القوى الوطنية.
ومع مرور الوقت، تعززت صورة نمطية لدى قطاعات واسعة من المراقبين بأن الحزب لا يتعامل مع الحرب باعتبارها معركة وجود وطن، بل باعتبارها مساحة لإعادة توزيع النفوذ، وإعادة هندسة موازين القوة داخل معسكر الشرعية ذاته.
وساهم سلوك تنظيم الإخوان في إطالة أمد الصراع، وأضعف فرص الحسم، وترك فراغات كبيرة استُغلت من قبل الخصوم على الأرض.
كما أن العلاقة مع شركاء الدعم الإقليمي والدولي لم تكن مستقرة، إذ اتسمت بالتذبذب بين التعاون والتوتر، ما أضاف طبقة أخرى من التعقيد إلى مشهد أصلاً مثقل بالتناقضات. فبدل أن تتجه الجهود نحو توحيد القرار العسكري والسياسي، ظل المشهد يتحرك بين اصطفافات متغيرة، تعكس صراعًا داخليًا على النفوذ بقدر ما تعكس صراعًا على استعادة الدولة.
ويؤكد مراقبون أن الإشكال لا يبدو أنه يتعلق بوجود حزب سياسي داخل الشرعية بحد ذاته، بل بطريقة تعاطيه مع مفهوم الدولة ذاته. فالدولة لا تُدار بمنطق التنظيم، ولا تُستعاد بمنطق التوازنات الحزبية، بل بمنطق قرار واحد، وسلاح واحد، وهدف واحد/ وكلما غاب هذا الإدراك، تحولت الشرعية من مشروع لاستعادة الدولة إلى ساحة تنازع داخلي، وهو ما جعل الأزمة اليمنية أكثر تعقيدًا، وأبعد عن الحسم، وأشد ارتباطًا بتشابك الداخل قبل الخارج.