الديمقراطية في اليمن… مسار دولة أُجهضه السلاح
مع قيام الجمهورية اليمنية وإعادة تحقيق الوحدة بين شطري الوطن في 22 مايو/أيار 1990، دخل اليمن مرحلة سياسية غير مسبوقة، شكّلت التحول الديمقراطي الأبرز ليس في تاريخه الحديث فحسب، بل وعلى مستوى المنطقة برمتها.
فقد أُقرّ دستور دولة الوحدة، الذي جرى الاستفتاء عليه شعبيًا في منتصف مايو/أيار 1991، ليؤسس لمنظومة تشريعية جديدة تقوم على النظام الديمقراطي التعددي، والتعددية السياسية والصحفية، وضمان حرية الرأي والتعبير.
وفي عام 1993، شهد اليمن إجراء أول انتخابات برلمانية في ظل الدولة الموحدة، مثّلت تتويجًا عمليًا للنصوص الدستورية، وخطوة متقدمة نحو بناء دولة المؤسسات. وتلتها انتخابات مجلس النواب عام 1997، ثم أول انتخابات رئاسية مباشرة عام 1999، في محطة مفصلية عززت حضور الإرادة الشعبية في اختيار رأس السلطة.
وخلال العقد الأول من الألفية الجديدة، استمر المسار الديمقراطي بزخم لافت، حيث أُجريت انتخابات المجالس المحلية عامي 2001 و2006، إلى جانب الدورة الانتخابية الثالثة لمجلس النواب عام 2003، ثم الانتخابات الرئاسية الثانية عام 2006، في سياق سياسي اتسم بالتعددية الحزبية واتساع هامش حرية الرأي والتعبير.
ويرى مراقبون أن هذا الزخم الديمقراطي، الذي استمر قرابة عقدين عقب الوحدة، لم يكن وليد المصادفة، بل نتاج إيمان القيادة السياسية، ممثلة برئيس الجمهورية الزعيم علي عبدالله صالح، بالخيار الديمقراطي باعتباره صمام أمان يحول دون عودة البلاد إلى دوامة الانقلابات والاغتيالات والصراع الدموي على السلطة، التي طبعت مراحل سابقة من تاريخ اليمن.
غير أن هذا المسار بدأ بالتآكل مع أحداث عام 2011، التي مثّلت، وفق توصيفات سياسية واسعة، نقطة الانكسار الحادة في التجربة الديمقراطية، فمع تصاعد دعوات إسقاط النظام، دخل اليمن مرحلة اضطراب سياسي عميق، انتهت بتسليم السلطة سلميًا إلى الرئيس عبدربه منصور هادي، في خطوة عُدّت آنذاك تأكيدًا على مبدأ التداول السلمي للسلطة.
وشكّلت الانتخابات الرئاسية التوافقية في فبراير/شباط 2012 آخر محطة انتخابية في تاريخ اليمن الحديث، وآخر عهد اليمنيين بما عُرف بـ“العرس الديمقراطي”، قبل أن تتجه البلاد نحو مسار مغاير تمامًا.
ومنذ ذلك التاريخ، دخلت الديمقراطية في اليمن مرحلة الجمود الكامل، لتغيب الحياة الانتخابية، وتُعطّل المؤسسات، في أعقاب فوضى 2011 التي حملت في طياتها مقدمات الانقلاب الحوثي في سبتمبر/أيلول 2014.
ومنذ ذلك الحين، بات الصراع على السلطة يُدار بقوة السلاح، لا عبر صناديق الاقتراع، في مشهد يعكس الفارق الجوهري بين النهج الديمقراطي والحكم القائم على الغلبة والقوة.
وبينما تمر اليوم أعوام طويلة على توقف المسار الديمقراطي، يبقى الإرث الذي تأسس عقب الوحدة بقيادة الزعيم علي عبدالله صالح حاضرًا في الذاكرة السياسية لليمنيين، بوصفه مرحلة كان فيها الاحتكام إلى الدستور والقانون، لا إلى السلاح، هو القاعدة.
إرثٌ يعيد طرح سؤال جوهري: هل يمكن لليمن أن يستعيد يومًا طريق الديمقراطية، باعتبارها السبيل الوحيد لإنهاء الصراع، وبناء دولة تستمد شرعيتها من إرادة الشعب لا من فوهة البندقية؟