الشرعية المختطفة.. استراتيجية "الإخوان" في بناء الإمبراطورية الموازية على أنقاض الدولة اليمنية

تمثل تجربة حزب الإصلاح في اليمن، بصفته الفرع المحلي لتنظيم الإخوان، حالة فريدة من نوعها في اختراق جسد الدولة والسيطرة على مفاصلها الحيوية تحت غطاء الشرعية، حيث لم تكن الحرب الدائرة في البلاد بالنسبة لهذا التنظيم مجرد معركة لاستعادة الدولة، بل كانت فرصة ذهبية لبناء إمبراطورية اقتصادية وعسكرية موازية تستمد قوتها من استنزاف الموارد العامة والسيطرة على القرار السياسي والسيادي. 

تبدأ القصة من اللحظات الأولى التي تغلغل فيها كوادر الحزب في هيكل الحكومة الشرعية، مستغلين حالة الفراغ الإداري والارتباك الأمني، لتبدأ عملية إحلال واسعة النطاق استهدفت تلوين الوظيفة العامة باللون الحزبي الصرف، وهو ما حول الوزارات والبعثات الدبلوماسية والمكاتب التنفيذية إلى خلايا نائمة تعمل لصالح الأجندة التنظيمية العليا بدلاً من خدمة المواطن اليمني المنهك.

 وهو ما نراه بوضوح في طريقة إدارة المحافظات التي تقع تحت نفوذهم المباشر، حيث تماهت الحدود بين ميزانية الحزب وميزانية الدولة بشكل جعل من الصعب الفصل بينهما.

 

تسييس الرتب العسكرية وصناعة الوهم في كشوفات الجيش الوطني

لقد كانت المؤسسة العسكرية هي الضحية الأكبر لسياسة التمكين الإخوانية، حيث جرى تحويل الجيش من مؤسسة وطنية جامعة إلى أداة لحماية مصالح الحزب وتأمين نفوذه الجغرافي، وذلك عبر آلية معقدة من الفساد الإداري والمالي بدأت بمنح الرتب العسكرية العليا لأشخاص مدنيين لا علاقة لهم بالعلوم العسكرية سوى ولائهم المطلق للمرشد والتنظيم، مما أدى إلى ترهل القيادة العسكرية وفشلها في تحقيق انتصارات حاسمة في جبهات القتال الرئيسية. وتبرز فضيحة الأسماء الوهمية أو ما يعرف بالجنود الورقيين كأحد أضخم ملفات الفساد في تاريخ اليمن الحديث، حيث جرى قيد مئات الآلاف من الأسماء في كشوفات الرواتب دون وجود فعلي لهم في الميادين، لتذهب تلك المليارات الضخمة المقدمة من خزينة الدولة ومن التحالف العربي مباشرة إلى الحسابات الخاصة بقيادات الحزب لتمويل أنشطته الخارجية وصفقاته التجارية.

 بينما يظل الجندي الحقيقي المرابط في المتارس بلا راتب أو غطاء لوجستي كاف، وهو فساد لم يكتفِ بنهب المال بل تسبب في خيانات عسكرية وسقوط مناطق استراتيجية نتيجة غياب العقيدة القتالية الوطنية لصالح العقيدة الحزبية الضيقة التي ترى في الجبهات مجرد صرافات آلية تدر الأموال الطائلة على جنرالات الحزب القابعين في الفنادق الفارهة.

مأرب وتعز أنموذجاً

في محافظتي مأرب وتعز، يظهر الوجه الحقيقي لإدارة الإخوان للأرض والإنسان، حيث تحولت مأرب الغنية بالنفط والغاز إلى صندوق أسود تدار فيه المليارات بعيداً عن رقابة البنك المركزي في عدن أو أجهزة الرقابة والمحاسبة، إذ ترفض القيادات المحلية الموالية للحزب توريد العائدات النفطية والغازية إلى الحسابات الحكومية، مفضلة استخدامها في بناء شبكات نفوذ إقليمية ودفع رواتب جيوش من الناشطين والإعلاميين والموالين في الخارج.

 في حين يعيش النازحون في مخيمات مأرب أوضاعاً مأساوية تفتقر لأدني مقومات الحياة.

 أما في تعز، فقد تكرس نموذج آخر من الفساد يتمثل في نظام الجبايات والاتاوات التي تفرض على التجار والمواطنين تحت مسميات عدة كدعم الجبهات أو المجهود الحربي، بينما تذهب هذه الأموال لتمويل الجماعات المسلحة التابعة للحزب التي تفرض قبضتها الأمنية على المدينة وتمارس عمليات تصفية واختطاف ضد المعارضين لسياسات الإخوان، مما خلق حالة من الانفلات الأمني الممنهج الذي يخدم بقاء الحزب كقوة وحيدة مسيطرة على المشهد، وسط غياب تام لدور الدولة ومؤسسات القضاء التي تم تدجينها هي الأخرى لخدمة أهداف التنظيم وتوفير الغطاء القانوني لعمليات النهب المنظم للأملاك العامة والخاصة.

 

العمل الإنساني والخيري كواجهة لتمويل الأنشطة المشبوهة وغسل الأموال

لم يسلم قطاع العمل الإنساني من مخالب الفساد الإخواني، إذ أحكم الحزب الاخواني  قبضته على معظم المنظمات الإغاثية والجمعيات الخيرية المحلية التي تعمل كوسطاء للمنظمات الدولية، ليتم تحويل المساعدات الإنسانية من أداة لإنقاذ الجوعى إلى وسيلة للاستقطاب السياسي وشراء الولاءات الاجتماعية، حيث يتم حرمان الأسر المحتاجة غير الموالية للحزب من حصصها الغذائية والطبية وتوجيهها حصراً للمنتمين للتنظيم أو المقاتلين في صفوفه.

والأخطر من ذلك هو استخدام هذه المنظمات كستار لعمليات غسل الأموال وتهريب العملة الصعبة إلى الخارج تحت بنود شراء مستلزمات طبية أو إغاثية وهمية، وهو ما يفسر التضخم الهائل في ثروات قيادات الصف الأول والثاني للحزب التي تملك الآن استثمارات ضخمة في تركيا  وقطر وماليزيا ودول أوروبية، في مفارقة صارخة بين ثراء القيادات وفقر الشعب الذي يتاجرون بمعاناته في المحافل الدولية، مستغلين الآلة الإعلامية الضخمة التي يمتلكونها لتزييف الحقائق وتصوير أنفسهم كضحايا بينما هم في الحقيقة الشركاء الفعليون في إطالة أمد الحرب وتعميق المأساة اليمنية لضمان استمرار تدفق الأموال والمنح التي لا تخضع لأي نوع من المساءلة الشفافة.

 

اختراق الدبلوماسية اليمنية وتشويه السيادة الوطنية في المحافل الدولية

لقد امتد عبث تنظيم الاخوان في اليمن ليصل إلى أروقة وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية اليمنية في الخارج، حيث تم تحويل السفارات والملحقيات إلى مقار حزبية يتم فيها تعيين الأبناء والأقارب والناشطين الإخوانيين برواتب خيالية بالدولار، دون مراعاة لأي معايير دبلوماسية أو قانونية، وهو ما أدى إلى شلل تام في أداء الدبلوماسية اليمنية وفشلها في نقل حقيقة الوضع اليمني للعالم، حيث ينصب اهتمام هؤلاء الموظفين على تلميع صورة الحزب ومهاجمة خصومه السياسيين بدلاً من الدفاع عن قضية الشعب والجمهورية.

 هذا الاختراق الممنهج مكن التنظيم الاخواني من السيطرة على قنوات التواصل مع القوى الدولية، مستخدماً إياها للتحريض ضد شركاء العمل السياسي والميداني، بل وصل الأمر إلى التماهي مع أجندة إقليمية تتعارض مع المصلحة الوطنية العليا لليمن، مما جعل القرار السيادي اليمني مرتهناً لرؤى تنظيمية عابرة للحدود تضع مصلحة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين فوق مصلحة الوطن، وهو ما يفسر حالة التخبط والتبعية التي صبغت أداء الحكومة الشرعية في الكثير من الملفات الحساسة نتيجة ضغوط هذا اللوبي المتغلغل في مفاصل القرار، والذي لا يتوانى عن التضحية بالمكتسبات الوطنية في سبيل الحفاظ على مكاسبه الحزبية الضيقة وسلطته المطلقة في المناطق المحررة.

 

مستقبل اليمن بين فكي كماشة التمكين الإخواني وضرورة استعادة الدولة الحقيقية

إن استمرار هذا الوضع الكارثي من العبث والفساد الذي يمارسه حزب الإصلاح الاخواني تحت عباءة الشرعية يضع مستقبل اليمن على المحك، إذ إن بناء دولة المؤسسات والقانون لا يمكن أن يتحقق في ظل وجود قوى سياسية تتعامل مع الدولة كغنيمة حرب ومع الموارد كملك خاص، مما يستوجب ضرورة وطنية ملحة لإجراء غربلة شاملة لمؤسسات الدولة العسكرية والمدنية وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة بشكل مستقل وحقيقي بعيداً عن الإرهاب الفكري والسياسي الذي يمارسه الحزب ضد كل من يحاول كشف ملفات فساده.

 إن مواجهة تغول الإخوان في اليمن تتطلب إرادة سياسية صلبة من كافة القوى الوطنية ومن الأشقاء في التحالف العربي والمجتمع الاقليمي والدولي لوقف نزيف الأموال العامة وتجفيف منابع التمويل المشبوهة التي يغذيها فساد الحزب، والعمل على إعادة هيكلة الجيش الوطني على أسس مهنية ووطنية خالصة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها الفعليين، فاليمن لا يمكن أن ينهض من كبوته طالما بقيت هذه الطفليات التنظيمية تقتات على جراحه وتستثمر في معاناة شعبه الصابر الذي يتطلع ليوم يرى فيه دولته خالية من الفساد والمحسوبية والارتهان للخارج.