دولة رتب تنظيم الإخوان وتغول السلاح.. محور تعز ومنظومة الجبولي تحت مجهر الانتهاكات الممنهجة

تتربع مدينة تعز في قلب جغرافيا الوجع اليمني، لا بسبب الحصار الحوثي الخارجي المفروض عليها فحسب، بل نتيجة تآكل المؤسسة العسكرية من الداخل وتحولها إلى أدوات قمع محلية وأذرع حزبية تتخفى خلف لافتة الجيش الوطني. 

في المناطق التي يُفترض أنها تخضع لسيطرة الحكومة الشرعية، يبرز اسم محور تعز العسكري،  وأبوبكر الجبولي قائد اللواء الرابع مشاة جبلي، كعناوين رئيسية في سجلات الانتهاكات التي لم تعد مجرد حوادث فردية عابرة، بل تحولت إلى نمط منظم من القمع والفساد الممنهج الذي ينهش جسد المدينة وريفها الجنوبي. 

إن تتبع خارطة الجرائم في هذه المناطق يكشف عن فجوة هائلة بين مسمى الجيش وبين ممارسات ميدانية تضع قيادات عسكرية بعينها فوق سلطة القضاء، وتجعل من الوحدات القتالية أدوات للاستحواذ السياسي والتنكيل بالخصوم وتجريف حقوق الإنسان تحت مبررات واهية لا تصمد أمام التحقيقات الاستقصائية والشهادات الحية التي توثق أبشع صور التغول العسكري على حياة المدنيين وممتلكاتهم.

 

 خارطة السجون السرية وأرقام الضحايا في ريف تعز

تعد قضية السجون السرية ومراكز الاحتجاز غير القانونية العمود الفقري لمنظومة الانتهاكات في ريف تعز الجنوبي والمناطق الحدودية المتاخمة لمحافظة لحج، حيث يدير ابو بكر الجبولي شبكة معقدة من مراكز التوقيف الخاصة التي تفتقر لأدنى معايير الرقابة القانونية. ووفقاً للإحصائيات الموثقة حتى مطلع عام ألفين وستة وعشرين، فإن سجون الجبولي في مناطق المقاطرة والشمايتين وطور الباحة تحتجز ما لا يقل عن اثنين وأربعين معتقلاً ومخفياً قسرياً بشكل دائم، بعضهم محتجز منذ أكثر من ثلاث سنوات دون تهمة أو محاكمة.

 لقد سجلت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان منع فريقها رسمياً من زيارة سجون الجاهلي والكنب التابعة للواء الرابع، وهي مراكز تحولت إلى ثقوب سوداء تُبتلع فيها كرامة الإنسان، حيث تشير التقارير إلى وجود عشرات الحالات الأخرى التي لم تُقيد رسمياً بسبب خوف الأهالي من الانتقام العسكري المباشر من قبل قيادة اللواء.

 

 الطفولة المختطفة واستخدام الرهائن كأداة للتركيع العسكري

يتجاوز الأمر مجرد الاعتقال التعسفي ليصل إلى انتهاكات صارخة بحق الطفولة، حيث تؤكد البيانات الميدانية رصد احتجاز ما بين ثلاثة إلى عشرة أطفال دون سن السادسة عشرة في سجون الجبولي، جرى اختطافهم كرهائن للضغط على ذويهم المطلوبين أمنياً أو سياسياً لتسليم أنفسهم.

 هذه الممارسات التي تتطابق مع أساليب العصابات المسلحة، تُعد خرقاً جسيماً للاتفاقيات الدولية والقوانين اليمنية النافذة التي تجرم احتجاز الأقارب بجريرة غيرهم.

 وتشير تقارير لمنظمات في مجال الحقوق والحريات إلى أن هذه السجون، وبالأخص سجن الجاهلي، تحولت إلى مراكز لانتزاع الاعترافات القسرية تحت وطأة التعذيب النفسي والجسدي، في حين سُجلت حالات وفاة تحت التعذيب كما في واقعة المواطن وائل وديع سلطان التي اتهمت فيها أسرة الضحية شقيق ابو بكر الجبولي بالتورط المباشر في تصفيته داخل معتقلات اللواء بعيداً عن أعين القضاء.

 

 السطو الممنهج واغتصاب منازل المواطنين في أحياء تعز

ملف السطو والنهب للممتلكات الخاصة يمثل وجهاً آخر بشعاً لانتهاكات محور تعز، حيث تحولت عشرات المنازل في أحياء المدينة إلى فيد عسكري للقادة والمقربين منهم.

 تفيد شهادات الضحايا الموثقة، مثل شهادة المواطن جمال الشعري وأقارب آخرين لضحايا السطو، بأن قضية اغتصاب المنازل لم تعد مجرد ظاهرة بل أصبحت سلوكاً متداولاً يتفاخر به بعض القادة الذين يتعاملون مع ممتلكات المواطنين كغنائم حرب شرعية. 

وتشير البيانات الحقوقية لعام ألفين وستة وعشرين إلى أن المؤسسة العسكرية تغض الطرف عن منتسبيها المتورطين في هذه الجرائم، مما أدى لاستمرار احتلال مئات المباني الخاصة والحكومية رغم صدور أحكام قضائية بإخلائها.

 إن بقاء هذه الأسر مشردة تحت الأنقاض أو في مخيمات النزوح، بينما يسكن القادة "المقاصيص" في منازلهم المنهوبة، يجسد أبشع صور غياب الدولة والعدالة في المناطق المحررة.

 

 عصابات الأراضي والجبايات القسرية من أقوات الجائعين

برزت أيضاً في تعز ظاهرة هوامير الأراضي المرتبطين بالقيادات العسكرية بالمحور حيث يتم استغلال المدرعات والأطقم العسكرية الرسمية للسطو على أراضي المواطنين والأوقاف وتسيير حملات مداهمة لصالح نافذين حزبيين.

 وتؤكد تقارير اقتصادية حديثة أن قوات المحور استولت على مبالغ ضخمة من الضرائب والجبايات غير القانونية، منها قرابة مليارين ومئتي مليون ريال من ضرائب القات وحدها خلال عام واحد، في حين تفرض النقاط العسكرية التابعة لمحور تعز ولواء الجبولي إتاوات مالية باهظة على شاحنات المواد الغذائية، وهي جبايات لا تذهب إلى خزينة الدولة بل تذهب كتمويلات خاصة لدوائر النفوذ العسكري والسياسي الحزبي.

 التستر على الجناة وتحويل اللواء إلى ملاذ للمطلوبين أمنياً

تعد واقعة تهريب شقيق  أبوبكر الجبولي،  علوي الجبولي، وحمايته من سلطة القانون، الشاهد الأكبر على استغلال النفوذ العسكري لتعطيل العدالة.

 علوي الجبولي يعد متهماً رئيسياً في سلسلة من القضايا الجنائية والأمنية الجسيمة، بما في ذلك قضايا قتل واختطافات طالت مدنيين عزل. 

وعلى الرغم من صدور مذكرات توقيف رسمية وأوامر قبض قهرية بحقه، إلا أن شقيقه  أبوبكر استخدم إمكانيات اللواء الرابع والغطاء العسكري الممنوح له لتوفير ملاذ آمن لشقيقه ومنع وصول يد العدالة إليه، مما يؤكد أن منظومة الجبولي تعمل ككيان موازي للدولة وقوانينها، حيث تصبح صلة الدم والولاء الحزبي أقوى من نصوص الدستور وأوامر النيابة العامة.

 

 الغطاء السياسي والقيادات الحزبية المحركة للانتهاكات

إن القراءة المتأنية لواقع الحال في تعز تشير بوضوح إلى أن هذه السلسلة المتواصلة من الجرائم لم تكن لتستمر لولا وجود غطاء سياسي وحزبي مباشر يدير المشهد من خلف الستار.

 وتكشف التقارير الاستقصائية عن أسماء قيادات في تنظيم الإخوان (حزب الإصلاح) تدير هذا الملف وتوفر الحماية للمنتهكين، وعلى رأسهم سالم عبده فرحان (الحاكم الفعلي لتعز)، وأحمد المقرمي رئيس الدائرة السياسية للحزب في تعز، وأحمد عثمان المسؤول الإعلامي للحزب، بالإضافة لقيادات عسكرية منتمية تنظيمياً للحزب مثل اللواء خالد فاضل والعميد عبده البحيري والعميد عبدالواحد سرحان.

وبدعم وتأييد من قيادة التنظيم المنخرطين ضمن المجلس الرئاسى والحكومة الشرعية والقيادات الاخوانية المتواجده في تركيا في مقدمتها حمود سعيد المخلافي المرشد الاول والداعم الرسمي للعصابات المسلحة في مدينة تعز تحت مسميات المقاومة الشعبية والتي ترتكب من يوم لاخر ابشع الجرائم والانتهاكات بحق المدنين والسطو علي ممتلكاتهم.

هذه القيادات تعمل على توفير التمويل الموازي والتلميع الاعلامي  لصورة القادة المفروضين برتب التظيم وليس السلك العسكري والغير نظامين، ومنع أي قرارات سيادية بإقالة المتورطين، مما حوّل تعز إلى ساحة صراع حزبي ضيق يتصدره حزب الاخوان ويدفع ثمنه المدنيون العزل الذين يجدون أنفسهم بين مطرقة الحصار الحوثي  وسندان القمع الحزبي الاخواني الممنهج.

 

 حتمية استمرار الجرائم في ظل الهيمنة الحزبية لتنظيم الإخوان

في ختام هذا التقصي، يظهر جلياً أن مأساة تعز لا تكمن فقط في آلات القتل المتربصة بها من الخارج، بل في منظومة عسكرية وأمنية مخترقة حزبياً تتخذ من الشعارات الوطنية ستاراً لممارسات قمعية من سطو ونهب واحتجاز تعسفي لا تختلف في جوهرها عن ممارسات الميليشيات الحوثية الانقلابية. 

إن محور تعز، بتركيبته الحالية وولاءاته الضيقة، سيظل يرتكب تلكم الجرائم والانتهاكات الصارخة بحق الإنسان والقانون، وسوف يستمر في حماية الجناة والمطلوبين أمنياً وحماية عصابات الأراضي، مادام يحظى بذلك الدعم والغطاء السياسي والحزبي والمالي الواسع من قبل تنظيم الإخوان في اليمن. 

إن بقاء هذه المنظومة بعيداً عن المحاسبة الدولية والمحلية لا يهدد أمن تعز فحسب، بل يقوض فكرة الدولة اليمنية القائمة على العدالة وحكم القانون، ويعرقل من أي ضغوط وتوجهات سياسية او عسكرية لاسقاط الانقلاب الحوثي واستعادة الدولة ومؤسساتها في صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيا، مما يجعل من استئصال هذا العبث وتصحيح مسار المؤسسة العسكرية ضرورة حتمية لا تقبل التأجيل أو المساومة السياسية على حساب دماء وحقوق المواطنين المسلوبة.