اليمن في مواجهة الفرح المؤجَّل

يحلُ العيد ضيفاً ثقيلاً على الذاكرة، وخفيفاً على الواقع في بلدٍ نَذَرَتهُ الأقدار للوجع الممتد، وتنازعته الخطوب حتى غدا الفرحُ فيه تهمة أو كاد. عيد بلا عيد؛ ليست مجرد جناسٍ لفظي بارع، بل هي التوصيف الأدق والجرح الأعمق في جسد الهوية اليمنية المعاصرة. 

إنها صرخة صامتة تنطلق من حناجر الملايين الذين أدركوا أن بهجة العيد قد هُجِّرت قسراً، تماماً كما هُجِّرَ أصحاب الأرض عن ديارهم.

حين تتأمل المشهد اليمني اليوم، لا ترى في الأسواق صخباً يشي بالمسرّة، بل طوابير من الانكسار المقنّع بالكبرياء. 

آباءٌ يقفون عاجزين أمام نوافذ الملابسِ الجاهزة، ينظرون إلى أسعار تفوق قدرة رواتب أصبحت في ذمة التاريخ. 

وجوه الأطفال -التي كانت تاريخياً هي مرآةَ العيدِ وبوصلته- باتت مغبرّةً بهموم تكبر أعمارهم الغضة.

 هنا، في تفاصيل هذه اللوحة السريالية، تكتشفُ أن الحرب لم تدمر الحجر والمدر فحسب، بل اغتالت أثمن ما تملكه الروح اليمنية... القدرة على الابتهاج.

إن العيد في المفهوم اليمني الأصيل هو اللّمة والوصل، هو امتداد لطقوس التكافل الموغلة في القدم.

 لكن جغرافيا الشتات والنزوح ومقصلة الوضع الاقتصادي حولت هذا المفهوم إلى حنين جارح. غاب عَسَبُ العيد (العيدية) التي كانت توثقُ عُرى القربى، وغابت الجعالة التي كانت تملأُ بيوتَ صنعاء وإب وعدن وحضرموت بالدفء.

 صار العيد مجرد ورقة في التقويم، تمر على عجل، دون أن تتركَ وراءها سوى تساؤلات مُرّة عن موعد الخلاص.

ومع ذلك، وفي قلب هذا الرماد، يتجلّى الإنسان اليمني كطائرِ الفينيق الذي يرفضُ الموت المجاني. 

إن قمةَ الوطنية تتجسد اليوم في هذا الصمود الأسطوري؛ في أمٍّ تصنعُ من القليل كعكاً لتُشعر صغارها بالفرق، وفي مبادرات تكافل شبابية تتقاسمُ الرغيف وكسوة العيد، وفي جار يمسح دموعَ جاره في عتمة الحاجة. 

هذا ليس استسلاماً للواقع، بل هو فعل مقاومة حقيقي، وتأكيد على أن جينات الفرح والحياة في هذا الشعب عصيّة على الموت والاندثار.

لن يكون العيد عيداً حقيقياً في اليمن ما لم تَعُد الابتسامة إلى وجهِ جندي ينتظر مرتبه، وأمٍّ تترقب عودة ولدها المغترب أو المفقود، أو المُغيب قسراً في زنازين الغياب وطفل يركض في حارته آمناً من شظايا القذائف وفخاخ الجوع.

 إننا لا نحتاج إلى تهاني بروتوكولية، بل نحتاج إلى وطن يتسعُ لأحلامنا، وطن يُعيدُ للفرح هيبته وسيادته.

 وحتى يرتفع ذلك الأذانُ المؤذنُ بالسلام والرخاء، سيبقى اليمنيون يمارسون كبرياءهم، ويهمسون في أذن الزمن...عيدنا المؤجل.. قادم لا محالة.