بين جحيم عدن وإهمال تعز.. حكومة "الوعود" تسقط في اختبار الخدمات والأمان

لم تعد المعركة في اليمن تقتصر على خطوط التماس العسكرية أو الغرف المغلقة للمفاوضات السياسية، بل انتقلت بثقلها إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن في المحافظات المحررة، حيث يواجه السكان واقعاً مريراً يتسم بتدني الخدمات الأساسية وغياب الحلول الملموسة. 

وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز معالم أزمة عميقة في الثقة بين الشارع اليمني والشرعية المعترف بها دولياً، التي باتت توصف في الأوساط الشعبية والإعلامية بـ"الشرعية المغتربة" نظراً للفجوة المتسعة بين مقار مقارها الرسمية وواقع الأرض المرير.

 هذه الفجوة لم تعد مجرد ترف سياسي أو مادة للمناكفات الحزبية، بل تحولت إلى وقود لتنامي التنديد الشعبي بفشلها الإداري والاقتصادي، لا سيما في المحافظات الجنوبية وفي مدينة تعز المحاصرة، حيث يتداخل انهيار الخدمات مع الغياب الفعلي لمؤسسات الدولة، ليصنع بيئة خصبة لأزمات مفتوحة تهدد بانهيار ما تبقى من هيكل السلطة القانونية.

أبعاد العزلة السياسية وجذور الفجوة 

تأخذ أزمة الثقة طابعاً هيكلياً يرتبط مباشرة بالطريقة التي تدار بها المحافظات المحررة من الخارج أو عبر مسؤولي المكاتب الفارهة، مما جعل مفهوم الدولة يتلاشى تدريجياً في وعي المواطن البسيط.

إن توصيف "الشرعية المغتربة" يجسد حالة الانفصال التام عن المعاناة اليومية، حيث يرى السكان في عدن، ولحج، وأبين، وحضرموت، وتعز أن النخبة الحاكمة تعيش في معزل عن الأزمات التي تطحن المجتمع. 

هذا الاغتراب السياسي والجسدي للكثير من القيادات الحكومية أفقد الخطاب الرسمي مصداقيته، وتحولت الوعود المتكررة بالإصلاح وتنمية الموارد إلى حبر على ورق، مما رسخ القناعة بأن الإدارة الحالية تفتقر إلى الإرادة الحقيقية والقدرة على إحداث فارق ملموس. 

ويتعاظم هذا الشعور مع المقارنات المستمرة التي يعقدها الشارع اليمني بين العجز الراهن والاستقرار المؤسسي والتنموي الذي ميز عقوداً سابقة من تاريخ اليمن الحديث، حيث كانت الدولة الحاضنة قادرة على فرض توازن اقتصادي وخدمي يحمي المواطن من غوائل الأزمات الطاحنة.

انهيار الخدمات

في عدن والمحافظات المجاورة لها، لم يعد الحديث عن انقطاع التيار الكهربائي أو شح مياه الشرب مجرد شكوى عابرة، بل أصبح وجهاً لسياسة الفشل الإداري التي عجزت الحكومات المتعاقبة، وصولاً إلى التشكيل الوزاري برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، عن إيجاد حلول جذرية ومستدامة لها. 

يمر الصيف تلو الصيف ليرتفع الغليان الشعبي بالتزامن مع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، في ظل عجز منظومة الطاقة وغياب الموازنات الحكومية عن توفير وقود محطات التوليد. على الرغم من استمرار الدعم والهبات المالية الكبيرة من المملكة العربية السعودية للحكومة وتحت مسميات دعم الطاقة والكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن.

كما يترافق هذا الانهيار الخدمي مع تدهور مريع في قيمة العملة المحلية، مما قذف بآلاف الأسر إلى أتون الفقر المدقع، وحول الأسواق إلى حلبة لغلاء غير مسبوق يفوق القدرة الشرائية للمواطنين.

المظاهرات والاحتجاجات الغاضبة التي تشهدها الشوارع بشكل دوري للتنديد بانهيار الخدمات وتعطيل المؤسسات القضائية والتعليمية، تعكس حجم العجز الحكومي ومحدودية  الحلول الترقيعية التي يتم الاعتماد عليها لترحيل الأزمات بدلاً من مواجهتها وحلها من جذورها الإدارية والمالية.

تعز المنسية.. بين وطأة الحصار وجحيم الإهمال الحكومي

لا يختلف المشهد المأساوي في تعز كثيراً عن شقيقاتها من المحافظات الجنوبية، بل يزيد عليه وطأة الحصار الطويل المفروض عليها، والذي يتقاطع مع إهمال حكومي فادح جعل المدينة تعيش حالة من الفوضى الأمنية والتردي الخدمي المستمر.

تعاني تعز من غياب شبه كامل للدعم الحكومي الموجه لقطاعات البنية التحتية، حيث تحولت الشوارع إلى حفر ومستنقعات، وتوقفت المشاريع الحيوية، وافتقرت المستشفيات الحكومية إلى أبسط المستلزمات الطبية والتشغيلية. 

التنديد الشعبي في تعز يأخذ منحى تصاعدياً متسارعاً، إذ يشعر أبناء المحافظة أن تضحياتهم الكبيرة قوبلت بجحود وإهمال من سلطة شرعية تكتفي بإصدار البيانات الإعلامية دون حضور فعلي على الأرض لتثبيت الأمن، ومكافحة الجريمة، وضبط الإيرادات المحلية التي تتبدد في قنوات الفساد والمحسوبية بدلاً من تسخيرها لخدمة الصالح العام وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

تآكل الوعود 

مع نيل حكومة الكفاءات السياسية الثقة والتفويض لإدارة المرحلة، استبشر الشارع اليمني خيراً بوجود رؤية إدارية جديدة تتجاوز المحاصصة والفساد، غير أن مصفوفات الوعود والخطط الاستراتيجية التي أعلنت عنها الحكومة سرعان ما اصطدمت بحائط الفشل العملي.

لقد تحول العجز الإداري إلى سمة ملازمة للأداء الحكومي، حيث تبخرت برامج تنشيط الموارد الاقتصادية، وتفعيل الموانئ والمطارات، واستئناف تصدير النفط والغاز لرفد الخزينة العامة بالعملة الصعبة.

هذا الشلل التنفيذي عزز القناعة بأن بنية الشرعية الحالية تعاني من ترهل داخلي واختلالات عميقة تمنعها من ممارسة وظائفها السيادية الأساسية، وحولها من أداة لإنقاذ البلاد واستعادة مؤسسات الدولة إلى عبء إضافي يستنزف الموارد المتاحة دون تقديم حد أدنى من الخدمات والتسهيلات للمجتمع اليمني المرهق والمحاصر بالأزمات.

تداعيات 

إن خطورة الفشل الخدمي والاقتصادي في المناطق المحررة تتجاوز حدود المعاناة الإنسانية المباشرة لتضرب في عمق الشرعية السياسية والقانونية التي تستند إليها السلطة المعترف بها دولياً.

عندما يعجز مجلس القيادة الرئاسي والحكومة التنفيذية عن تقديم نموذج جاذب ومستقر للحكم والدولة في عدن وتعز والمحافظات الأخرى، فإنهم يضعفون موقفهم التفاوضي والسياسي أمام الخصوم وأمام المجتمع الدولي على حد سواء. 

كما أن الغياب الفعلي للأجهزة الرسمية للدولة وتنامي الاحتجاجات الشعبية المنددة بالفشل يمنح المليشيات المتمردة والقوى الموازية فرصة لتسويق نفسها، ويجعل من خطاب الشرعية حول استعادة الدولة وحصر السلاح بيدها خطاباً أجوف يفتقر إلى الركائز الواقعية على الأرض، مما يؤدي إلى تآكل الاعتراف الدولي الفعلي والتحول التدريجي نحو البحث عن بدائل قادرة على إدارة الواقع العملي بعيداً عن أروقة الفنادق والعواصم الخارجية.

مسارات المستقبل 

يقف اليمن اليوم أمام مفترق طرق خطير في المحافظات المحررة، حيث لم تعد المسكنات الاقتصادية أو المنح المالية المؤقتة كافية لمنع الانفجار الشعبي الوشيك الناجم عن تراكم الأزمات.

يتطلب الانتقال من مربع الشرعية المغتربة إلى مربع الدولة الحاضرة ثورة تصحيحية شاملة داخل هيكل السلطة الحالية، تبدأ بالعودة الكاملة لجميع مسؤولي الدولة ومؤسساتها للعيش والعمل وسط المواطنين، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي للتركيز على قطاعات الكهرباء، والصحة، والتعليم، والمياه. 

إن استمرار الفشل الإداري وغياب الرقابة الحقيقية على موارد البلاد سيقود حتماً إلى تحول هذه المحافظات إلى ساحة صراع مفتوحة وفوضى عارمة، مما يستدعي تدخلاً وطنياً عاجلاً يعيد للمؤسسات قيمتها وكفاءتها التاريخية، وينقذ المجتمع من جحيم العوز والانهيار الشامل الذي بات يهدد الكيان اليمني بأكمله.