ثقب الكهرباء الأسود في عدن.. هل تنقذه "بترومسيلة" والمنحة السعودية؟

تواجه العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة لها فصلاً صيفياً شديد الحرارة يرافقه انهيار شبه كامل في خدمة التيار الكهربائي، وهو ما دفع الشركاء الإقليميين إلى التدخل مجدداً لتفادي الانهيار الشامل للمنظومة. وجاء إعلان البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن عن تقديم منحة مشتقات نفطية جديدة بقيمة 150 مليون دولار لتغطية احتياجات محطات التوليد من مادتي الديزل والمازوت كخطوة تهدف إلى إيجاد انفراجة مؤقتة للأزمة الخانقة التي يعيشها السكان.

 ورغم الترحيب الرسمي الواسع بهذه الخطوة، إلا أن هذا الدعم المتكرر أثار عاصفة من التساؤلات المشروعة في الشارع اليمني وبين الأوساط الاقتصادية حول مدى قدرة الحكومة على تسخير هذه الموارد بالشكل الأمثل لتخفيف المعاناة الشعبية أو ما إذا كانت هذه المنحة ستلحق بسابقاتها من المنح التي تلاشت في دهاليز الفساد المالي والبيروقراطية وتجارة الوقود المغشوش دون إحداث أي فارق مستدام.

منحة 150 مليون دولار شريان حياة مؤقت 

تأتي المنحة النفطية السعودية الجديدة في توقيت بالغ الحساسية، حيث بلغت ساعات انقطاع التيار الكهربائي في عدن مستويات قياسية أدت إلى شلل شبه تام في الحركة التجارية والمؤسسات الخدمية والصحية. 

ويهدف هذا الدعم المالي المباشر المقدم عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن إلى تأمين كميات عاجلة من الوقود لتشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء موزعة على المحافظات المحررة. 

وبحسب تصريحاتها تراهن الحكومة اليمنية من خلال هذه الشحنات الإسعافية على رفع كفاءة التوليد تدريجياً، وضمان استمرار الخدمة بحدها الأدنى حتى نهاية العام الجاري.

 غير أن مراقبين للشأن الاقتصادي اليمني يرون أن هذه المنحة لا تعدو كونها مهدئاً مؤقتاً لتسكين آلام قطاع الكهرباء المتهالك، إذ تعتمد المنظومة في عدن بشكل أساسي على محطات توليد تعمل بوقود الديزل وهو الأعلى كلفة عالمياً والأقل كفاءة في الإنتاج.

 هذا الاعتماد المفرط يحول أي دعم مالي خارجي إلى مجرد وقود يحترق سريعاً دون أن يترك أثراً على البنية التحتية الأساسية التي تحتاج إلى إعادة هيكلة وتحديث شاملين.

مخاوف من تكرار سيناريوهات التبديد والإهدار المالي

لا ينبع القلق السائد في الشارع العدني من فراغ بل يستند إلى تجارب مريرة مع منح وقود سابقة قدمتها المملكة العربية السعودية على مدى السنوات الماضية. فمنذ عام 2018م قدمت الرياض منحاً نفطية متعددة شملت منحة بقيمة 180 مليون دولار، ثم منحة ضخمة في عام 2021 بلغت 242 مليون دولار، وتلتها منحة أخرى بقيمة 200 مليون دولار، وصولاً إلى منحة مطلع العام الجاري البالغة 81 مليون دولار.

 ورغم تجاوز القيمة الإجمالية لهذه المساعدات حاجز المليار دولار، إلا أن النتيجة على أرض الواقع ظلت ثابتة وهي عودة الانقطاعات الطويلة بمجرد نفاد الكميات الممنوحة.

ويتهم ناشطون وحقوقيون شبكات المصالح المستفيدة داخل مؤسسة الكهرباء وشركة النفط بتعمد إبقاء الأزمة قائمة لضمان استمرار صفقات شراء الطاقة المستأجرة وجني أرباح طائلة من عمليات مصاحبة لتموين المحطات وتوزيع الوقود. 

إن غياب الرقابة الحقيقية والصارمة على كيفية تصريف هذه الشحنات واستغلال الفساد الإداري المتجذر يحول هذه المساعدات السخية من أدوات لإنقاذ المواطنين إلى غنيمة سهلة تتقاسمها مراكز النفوذ.

الحوكمة والشراكة الثلاثية خطة حكومية لضبط التلاعب بالوقود

رغم كل ذلك ووفق وبحسب ما جاء ضمن الاتفاقية بين الجانبين السعودي والحكومي بناءً وإدراكاً لحجم التلاعب والفساد الذي طال المنح السابقة تضمنت الاتفاقية الحالية آليات حوكمة جديدة أعلن عنها الجانبان اليمني والسعودي؛ بهدف ضمان وصول الدعم إلى المستفيد النهائي.

وشهدت مراسم التوقيع إبرام اتفاقية ثلاثية أطرافها وزارة الكهرباء والطاقة وشركة النفط الوطنية بترومسيلة والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. وتهدف هذه الشراكة الاستراتيجية إلى تعزيز دور بترومسيلة كشركة حكومية رائدة ورفع كفاءة أدائها في تشغيل محطات التوليد الأساسية مثل محطة الرئيس في عدن. 

وبموجب المنظومة الرقابية الجديدة تم تشكيل لجنة عليا تابعة مباشرة لرئيس مجلس الوزراء تضم ممثلين عن جهات حكومية متعددة ومنظمات المجتمع المدني والغرف التجارية والوسائل الإعلامية. 

وتتولى هذه اللجنة الإشراف والرقابة اللحظية على توزيع المشتقات النفطية والتحقق من مطابقتها للمواصفات الفنية ومراقبة تفريغها في المحطات بناء على الاحتياج الفعلي المحدد لكل محافظة لمنع تهريب الوقود أو بيعه في السوق السوداء. 

ورغم حداثة هذه الإجراءات إلا أن الشارع اليمني ينظر إليها بعين التشكيك وينتظر مخرجاتها العملية لمعرفة مدى قدرتها على كبح جماح الفساد.

اقتصاديات التشغيل والتركة الثقيلة 

يؤكد خبراء الاقتصاد ومالية الطاقة بجامعة عدن، أن تكرار أزمة الكهرباء يثبت أن الخلل أعمق بكثير من مجرد توفير الوقود وأن الحلول الإسعافية أصبحت بمثابة هدنة آنية غير مجدية. فالمنظومة الكهربائية في عدن تعاني من تشوهات هيكلية تراكمت عبر عقود وفاقمتها سنوات الحرب التي شنتها المليشيات الحوثية وتسببت في تدمير ممنهج للبنية التحتية للموارد العامة. 

وتتمثل المعضلة الكبرى في الفاقد الفني الكبير في شبكات النقل والتوزيع القديمة والمتهالكة والذي يتجاوز في كثير من الأحيان أربعين بالمئة من إجمالي الطاقة المولدة. ويضاف إلى ذلك انتشار ظاهرة الربط العشوائي والسحب غير القانوني للتيار الكهربائي وغياب عملية التحصيل الفعال لقيمة الاستهلاك الفعلي من المشتركين سواء من القطاع المنزلي أو التجاري أو الحكومي. 

هذه العوامل تجعل كلفة إنتاج الكيلوواط الواحد باهظة للغاية وتفوق قدرة الدولة التمويلية، مما يعني أن استمرار ضخ الوقود المجاني دون إصلاح الشبكة والتحصيل يمثل إهداراً للموارد المالية والاقتصادية.

الجراحة الاستراتيجية الشاملة السبيل لمعالجة قطاع الطاقة

يتفق المسؤولون في وزارة الكهرباء والطاقة مع الرؤى الفنية المقترحة بأن معالجة أزمة الطاقة بشكل جذري تتطلب الانتقال الفوري من مربع الحلول اللحظية المرتبطة بالمنح إلى مربع الجراحة الاستراتيجية الشاملة. 

ويشمل هذا التحول تنفيذ حزمة إصلاحات هيكلية تبدأ بتحديث خطوط نقل الطاقة ومحطات التحويل لتقليل الفاقد واجتثاث عشوائية الربط بقوة القانون. 

كما يتطلب الوضع توجيه الاستثمارات المستقبلية وبدعم من الشركاء الدوليين والإقليميين نحو الاعتماد على الغاز الطبيعي كوقود رئيس ومستدام لإنتاج الطاقة لخفض كلفة التوليد إلى أقل من النصف مقارنة بالديزل.

 ويمثل التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة والنظيفة مثل محطات الطاقة الشمسية التي بدأت تدخل الخدمة تدريجياً ركيزة أساسية لتحقيق ديمومة الخدمة وحماية البيئة.

إن إحياء مشروع الربط الكهربائي الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية لتوفير طاقة تصل إلى ألف ميجاوات يعد أحد الحلول الواعدة التي تجري مناقشتها حالياً في الاجتماعات رفيعة المستوى بالرياض لإعادة صياغة مستقبل قطاع الطاقة في اليمن.

الحكومة أمام اختبار حقيقي 

تضع منحة المئة وخمسين مليون دولار الحالية حكومة الكفاءات السياسية برئاسة الدكتور شائع الزنداني أمام اختبار حقيقي ومصيري لإثبات جديتها في مكافحة الفساد وإدارة الملفات الخدمية الحيوية بروح المسؤولية الوطنية الحريصة على حياة الناس. فلم يعد لدى الشارع اليمني المتعب من الأزمات المتلاحقة القدرة على تحمل وعود جديدة أو تبريرات واهية لتلاشي منحة نفطية أخرى دون تحقيق تحسن ملموس في خدمة الكهرباء. ويتطلب النجاح في هذا الاختبار تفعيل الصلاحيات الكاملة للجان الرقابة الشعبية والحكومية المنشأة وتطبيق مبدأ المساءلة والمحاسبة بحق أي جهة أو فرد يثبت تورطه في التلاعب بكميات الوقود أو عرقلة وصولها إلى محطات التوليد. 

إن الاستفادة المثلى من هذا الدعم السخي للأشقاء في المملكة العربية السعودية تمثل خطوة أولى ضرورية لاستعادة ثقة المواطن بمؤسسات الدولة وبناء أسس فنية واقتصادية متينة لمعالجة هذا الملف الحيوي المهم.