اختراق الأجواء اليمنية.. السيادة المستباحة بين وعيد الشرعية وانبطاح التبعية الحوثية لطهران

لم تكن واقعة اختراق الطائرة الإيرانية للأجواء اليمنية وهبوطها في مطار الحديدة مجرد حدث عابر، بل كانت مرآة كاشفة لواقع سياسي وعسكري شديد القتامة. هذه الحادثة عرت بوضوح طرفي المشهد، فحكومة شرعية غارقة في ظاهرة صوتية وبيانات وعيد تلاشت عند أول اختبار حقيقي.

 وفي المقابل مليشيات حوثية أسقطت آخر أقنعة السيادة والكرامة المزعومة لتثبت للداخل والخارج أنها مجرد قفاز محلي رخيص يتحرك بأوامر الولي الفقيه في طهران.

في هذا التقرير، نفكك أبعاد هذه الفضيحة المزدوجة، ونكشف كيف تحولت الأجواء اليمنية إلى ساحة يستعرض فيها النظام الإيراني غطرسته على حساب كرامة اليمنيين.

 

 بيانات النفير الفاشلة

بدأ المشهد بفصل جديد من فصول العجز السياسي والعسكري للحكومة الشرعية؛ بيانات متلاحقة وصارمة صدرت عن رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي ووزير دفاعه، تحذر وتتوعد بردع أي اختراق للأجواء وتعد بـرد زلزال حاسم. رفعت الحكومة سقف التوقعات، وبدت وكأنها تمتلك زمام الأجواء والبحار، لكن المؤشرات الملاحية سرعان ما فضحت هذا العجز الفاضح. الطائرة الإيرانية لم تبال ببيانات الشرعية، واخترقت الأجواء وهبطت بسلام.

 وجاء الرد الحكومي متأخراً ومثيراً للاحتقان، عبر قصف مدرجات مطاري صنعاء والحديدة بعد أن أفرغت الطائرة حمولتها ونزل ركابها من قيادات مليشيا الحوثي الارهابية بسلام. 

هذا السلوك العسكري العاجز أكد أن الشرعية تفتقر لأدوات الردع الحقيقية، وأن بياناتها ليست سوى حبر على ورق لذر الرماد في العيون، مما جعلها تظهر بمظهر العاجز الذي يقصف أرضه ومنشآته بعد أن استبيح سماؤه بالكامل.

 

 "السيادة الزائفة".. الحوثي مجرد قفاز

على المقلب الآخر، حاولت الآلة الإعلامية الحوثية تصوير هبوط الطائرة الإيرانية باعتباره انتصاراً وكسراً للحصار، لكن القراءة الحصيفة للحدث تكشف عن انبطاح كامل وتام للمشروع الإيراني.

 إن قبول مليشيا الحوثي بتحويل المطارات اليمنية إلى محطات مفتوحة للطائرات الإيرانية دون أي رقابة وطنية، هو صك تنازل واضح وفاضح عن السيادة التي يتباكون عليها نهاراً جهاراً.

الحقيقة العارية التي أظهرتها هذه الرحلة هي أن مليشيات الحوثي الانقلابية ليست سوى ذيل عسكري ينفذ أجندة طهران في المنطقة.

 فبينما كان قادة المليشيا يعودون من طهران بعد تقديم فروض الولاء والعزاء، كانت الطائرة الإيرانية تفرض هبوطها كأمر واقع، مستخدمة الجغرافيا اليمنية كحقل تجارب لتحدي المجتمع الدولي. 

هذا الارتهان الحوثي المطلق حوّل مناطق سيطرتهم من أراضٍ يمنية إلى مجرد مقاطعة إيرانية ملحقة بالحرس الثوري، تُدار بالريموت من طهران لتهريب السلاح والخبراء على حساب دماء اليمنيين.

المقامرة بالمنافذ اليمنية

تتحمل ميليشيا الحوثي والنظام الإيراني المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذا التصعيد العسكري الخطير في الأجواء والبحار اليمنية.

إن الإصرار على تحويل واستخدام الموانئ والمطارات اليمنية كمحطات لوجستية مفتوحة لخدمة أجندة طهران التوسعية ومشاريعها العابرة للحدود، هو طعنة في خاصرة الاستقرار، ولا يخدم مطلقاً مصالح الشعب اليمني المطحون الذي يدفع وحده فاتورة هذه المغامرات الإقليمية غير المحسوبة.

وفيما يخص محافظة الحديدة تحديداً، فإن استمرار الميليشيا في تسخير مطار المحافظة وموانئها الاستراتيجية الحيوية كالحديدة والصليف ورأس عيسى للتحركات والمخططات الإيرانية المشبوهة، ينقل المحافظة من شريان حياة إنساني لليمنيين إلى بؤرة تهديد حقيقي ومباشر لأمن اليمن القومي واستقرار دول الجوار والمنطقة بأسرها. هذا الاستغلال الفاضح للحديدة لم يعد مجرد خرق عسكري، بل بات خطراً داهماً يستوجب تحركاً عاجلاً وجاداً من كافة الأطراف المحلية والدولية لوضع حد لهذه الغطرسة وإخراج المنافذ الحيوية من عباءة الهيمنة الفارسية.

فضيحة مشتركة

يقف الشارع اليمني اليوم مذهولاً أمام هذا التواطؤ والضعف المزدوج.  فمن جهة، يرى حكومة شرعية تدعي تمثيل الدولة لكنها عاجزة عن حماية حدودها الجوية وتكتفي بضربات انتقامية متأخرة على منشآتها الأرضية بعد فوات الأوان. 

ومن جهة أخرى، يرى مليشيا حوثية إرهابية تتغنى بالسيادة ومحاربة الوصاية، في حين أنها غارقة من رأسها حتى أخمص قدميها في وصاية إيرانية كاملة الأركان، وتقبل بأن تُقاد كالقفاز الأعمى لصالح طهران.

إن اختراق الطائرة الإيرانية "ماهان إير" وهبوطها في الحديدة لم يكن نصراً للحوثي ولا هيبة للشرعية، بل كان إدانة كاملة وصريحة للطرفين. 

لقد أثبت الحادث أن الحوثي مجرد أداة إيرانية رخيصة لا تملك من أمرها شيئاً، وأن الشرعية لا تملك من أمر البلاد سوى صياغة بيانات الشجب والتنديد الصامتة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

لقد سقطت الأقنعة وتعرت الوجوه في مطار الحديدة؛ فلا الشرعية حمت الأجواء بوعيدها الفاشل، ولا الحوثي حافظ على كرامة اليمن كما يدعي ويوهم البعض بتبعيته وانبطاحه المُذل المطلق لطهران.

المستفيد الوحيد من هذه المسرحية الهزلية هو النظام الإيراني الذي يواصل استخدام اليمن ورقة ضغط إقليمية، مستغلاً التفاهمات الإقليمية والدولية التي أضعفت القرار السياسي والعسكري للمجلس الرئاسي والحكومة الشرعية وارتهان الحوثيين العقائدي، ليظل الوطن اليمني وسيادته هما الضحية الأولى والأخيرة.