150 مليون دولار لم تُنِر عدن.. أسئلة حول مقترح رفع التعرفة وتعثر دعم الوقود وصراع المصالح خلف أزمة الكهرباء

تتفاقم أزمة الكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، مع استمرار ساعات الانقطاع الطويلة وتراجع قدرة محطات التوليد على العمل، وسط اتهامات بسوء إدارة ملف الطاقة وتداخل المصالح السياسية والتجارية التي حالت دون الوصول إلى حلول مستدامة لأزمة مزمنة، بالتزامن مع طرح مقترح داخل وزارة الكهرباء والطاقة يقضي برفع تعرفة استهلاك الكهرباء للمواطنين والقطاع التجاري.

ويعيش سكان عدن منذ أشهر على وقع تدهور غير مسبوق في خدمة الكهرباء، في ظل صيف ترتفع فيه درجات الحرارة إلى مستويات تقترب من 40 درجة مئوية، حيث تصل ساعات انقطاع التيار خلال النهار إلى نحو سبع ساعات مقابل ساعتين فقط من التشغيل، مع اعتماد محدود على محطة الطاقة الشمسية كمصدر مساعد لتقليص العجز، بينما تتراجع ساعات التشغيل خلال المساء بشكل أكبر بسبب غياب مصادر الإسناد.

وتعزو المؤسسة العامة للكهرباء في عدن هذا التراجع إلى النقص الحاد في كميات الوقود اللازمة لتشغيل محطات التوليد، في وقت تواجه فيه الحكومة ووزارة الكهرباء انتقادات بسبب عدم إيجاد حلول عاجلة، وتحول ملف المشتقات النفطية إلى ورقة خلاف بين أطراف السلطة والشركاء داخل الحكومة.

وكانت المملكة العربية السعودية قد أعلنت في 27 مايو/أيار 2026، عبر سفيرها لدى اليمن محمد آل جابر، تقديم دعم عاجل للحكومة اليمنية بقيمة 150 مليون دولار لتوفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، وذلك عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

وفي 9 يونيو/حزيران، وقعت الحكومة اليمنية اتفاقية مع الجانب السعودي لتوريد المشتقات النفطية بهدف دعم تشغيل نحو 70 محطة توليد كهرباء في المحافظات المحررة، وهو الدعم الذي كان يُعوّل عليه في إحداث تحسن ملموس في الخدمة، إلا أن واقع الكهرباء في عدن لم يشهد تغيراً حتى اللحظة، ما أثار تساؤلات حول آليات التنفيذ وأسباب تأخر انعكاس الدعم على المواطنين.

خلافات حكومية وانقسام سياسي

وقال مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء لوكالة خبر، إن استمرار تدهور الخدمة رغم الدعم المعلن يكشف عن وجود خلافات داخل مؤسسات الدولة بشأن آلية إدارة المنحة والجهات المسؤولة عن تنفيذها، مشيراً إلى أن الانقسام السياسي بين مكونات السلطة انعكس بشكل مباشر على قطاع الخدمات.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن وزارة الكهرباء تدرس مقترحاً يقضي برفع رسوم تعرفة استهلاك الكهرباء للمواطنين والقطاع التجاري، بهدف المساهمة في تغطية جزء من كلفة الوقود وتشغيل المحطات، إلا أن المقترح يواجه تحفظات بسبب المخاوف من تداعياته الاجتماعية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع مستويات الفقر.

وبحسب مصدرين مطلعين، فإن جهات محلية وبتأييد خارجي -دون تسمية هذه الجهات- طرحت مسألة مراجعة تعرفة الكهرباء ضمن رؤية تهدف إلى تحسين قدرة القطاع على تغطية نفقات التشغيل، غير أن مسؤولين يمنيين يخشون من أن يؤدي تطبيق أي زيادة في الأسعار إلى ردود فعل شعبية واسعة، خصوصاً مع تراجع دخل المواطنين وارتفاع تكاليف المعيشة.

سوق الطاقة البديلة

ولا ترتبط أزمة كهرباء عدن، وفق مصادر اقتصادية، بمشكلة الوقود فقط، بل تتداخل معها شبكة واسعة من المصالح المرتبطة بسوق الطاقة البديلة الذي توسع بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية نتيجة عجز المحطات الحكومية عن توفير خدمة مستقرة.

وقال المصدران لوكالة خبر، إن الانقطاعات الطويلة دفعت الشركات والمؤسسات التجارية والمرافق الحكومية، إضافة إلى أعداد متزايدة من المنازل، إلى الاعتماد على منظومات الطاقة الشمسية والمولدات الخاصة، ما أدى إلى نشوء سوق ضخمة لمستوردي وموردي معدات الطاقة البديلة.

وأشارا إلى وجود علاقات تجارية ومصالح مشتركة بين بعض أصحاب النفوذ وشركات تعمل في مجال الطاقة البديلة، مؤكدة أن استمرار أزمة الكهرباء الحكومية أدى إلى توسع هذا السوق وتحقيق أرباح كبيرة للعاملين فيه.

وأضاف المصدران، أن بعضاً آخر من موردي أنظمة الطاقة البديلة قدموا تجهيزات متكاملة لمسؤولين وشخصيات نافذة، إلى جانب تقديم مزايا خاصة، وهو ما أثار تساؤلات حول احتمال وجود تضارب مصالح وتأثير ذلك على مسار معالجة أزمة الكهرباء.

وأكدا أن استمرار الاعتماد على الحلول الخاصة بدلاً من تطوير منظومة التوليد الحكومية عزز حالة الشكوك لدى مراقبين بشأن وجود أطراف مستفيدة من بقاء الأزمة، رغم عدم وجود أدلة معلنة تثبت تورط جهات محددة في عرقلة الإصلاحات.

أزمة خدمات أم صراع نفوذ؟

ووفق مصادر اقتصادية، فإن أزمة الكهرباء في عدن أصبحت انعكاساً لتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية في مناطق سيطرة الحكومة، حيث تحولت الخدمة الأساسية إلى ملف تتجاذبه قوى متعددة وسط غياب رؤية موحدة لإدارة قطاع الطاقة.

وقالت المصادر لوكالة خبر، إن معالجة الأزمة تتطلب إجراءات تتجاوز توفير الوقود بصورة مؤقتة، وتشمل إصلاح منظومة إدارة الكهرباء، وتعزيز الشفافية في عقود شراء الوقود، والرقابة على الإنفاق، ووضع استراتيجية طويلة الأمد لتطوير مصادر التوليد.

وفي ظل استمرار الخلافات السياسية وتضارب المصالح، يبقى سكان عدن أمام أزمة كهرباء مفتوحة، يدفعون كلفتها يومياً في مدينة تعاني من ارتفاع درجات الحرارة وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي قرار بزيادة التعرفة إلى إضافة أعباء جديدة على المواطنين بدلاً من معالجة جذور الأزمة.