هندسة الإكراه المالي.. كيف يجرف الاقتصاد الموازي لمليشيا الحوثي القطاع الخاص في اليمن

تتحول الأسواق اليمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي إلى ساحة صراع اقتصادي صامت، حيث تُسلط أدوات المنظومة المالية الموازية فوق رقاب التجار ورجال الأعمال كخناجر جباية لا تتوقف عن استنزاف السيولة وتجريف القطاع الخاص. 

ففي ظل غياب القنوات القانونية المعتمدة لتحصيل الضرائب، ومصادرة رواتب الموظفين الحكوميين، أسست المليشيا هيكلاً مالياً متكاملاً يتجاوز الوظائف الاقتصادية التقليدية ليصبح أداة للهيمنة السياسية والعسكرية وتكريس الانقسام المؤسسي في البلاد. 

وتكشف البيانات الاقتصادية والتقارير الميدانية لعام 2026 عن آليات تمويل قسري بالغة التعقيد، تسببت بآثار كارثية أحدثتها شبكات الإتاوات المستحدثة على بيئة الاستثمار ومستوى معيشة المواطن اليمني.

هندسة الجمارك الداخلية والجباية المضاعفة

ولم تعد الرسوم تُحصل حصراً عند الموانئ والمنافذ الحدودية الرسمية للبلاد، بل برزت شبكة متكاملة من المنافذ الجمركية الموازية استحدثتها المليشيا على طول الطرق الرئيسية الرابطة بين المحافظات كطرق عدن-صنعاء، ومأرب-صنعاء. 

تُجبر هذه النقاط الشاحنات التجارية المحملة بالبضائع ــ والتي سبق تخليصها جمركياً ودفع رسومها قانونياً في موانئ عدن أو المكلاــ على دفع رسوم إضافية ومضاعفة. 

ووفقاً لتقارير ودراسات ميدانية صادرة عن مراكز أبحاث يمنية في منتصف العام الجاري 2026، فإن هذه الازدواجية الجمركية تسببت في زيادة تكاليف النقل والتخزين والتأمين بنسب تراوحت بين 20% و30%، وهو ما انعكس مباشرة على المستهلك النهائي، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية داخل مناطق سيطرة الحوثيين بنسبة تراوحت بين 10% و15% مقارنة بالمناطق الأخرى.

قانون الخُمس واستراتيجية إحلال القطاع الخاص

ولا تقتصر الممارسات الجبائية على الاستقطاع العابر، بل تمتد إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الشمالي عبر أدوات تشريعية وقسرية من خلال تطبيق ما يُعرف بقانون الخُمس الحوثي، وهي لائحة زكوية تفرض استقطاعاً بنسبة 20% على الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية، والمعادن، والنفط، والغاز، والمياه، والصيد البحري. وتحت وطأة هذا القانون والضرائب المتراكمة، يواجه القطاع الخاص عملية تجريف ممنهجة تمثلت في إقدام المليشيا خلال عام 2026 على إلغاء وشطب وكالات تجارية وتراخيص لشركات ومؤسسات حيوية، شملت أكثر من 1900 شركة ووكالة دوائية وصحية وطبية بذريعة عدم تجديد التراخيص، في خطوة وصفتها مصادر تجارية بأنها تهدف لفرض رسوم تجديد باهظة وإحلال شركات جديدة تابعة لقيادات المليشيات، تلاها احتجاز الشحنات التجارية في المنافذ المستحدثة لفرض رسوم إضافية تحت غطاء حماية المنتج المحلي.

الاتصالات والفضاء الرقمي كشريان مالي ملياري

ويمثل الفضاء الرقمي وشبكات الاتصالات المورد المالي الأكثر استدامة للمنظومة الحوثية، حيث تُشير التقديرات الاقتصادية المتقاطعة للعامين 2025 و2026 إلى أن قطاع الاتصالات يدر على المليشيا ما يربو على مليار دولار سنوياً. وتأتي هذه العائدات الضخمة من خلال التحكم بشركة "يمن موبايل" التي تتجاوز إيراداتها 300 مليار ريال يمني سنوياً (بسعر صرف صنعاء)، بالإضافة إلى فرض نسب مئوية متفاوتة تُستقطع قسراً من فواتير الإنترنت وباقات الاتصالات تحت مسمى "ضريبة المجهود الحربي"، مع إلزام ملاك شبكات الواي فاي المحلية بدفع مبالغ دورية باهظة وحظر خدمات الإنترنت الفضائي الخارجي لضمان إحكام القبضة على تدفق المعلومات ومنع تسرب الموارد المالية خارج القنوات التابعة لها.

فاتورة إنسانية باهظة واقتصاد يقترب من التفكك كلياً

وتتطابق التقارير الصادرة عن البنك المركزي اليمني في عدن والمنظمات الدولية حول الكلفة الباهظة لهذه السياسات، إذ أدى منع تصدير النفط الخام من الموانئ الشرقية واستهداف المنشآت إلى تعميق العجز المالي للحكومة الشرعية ليتجاوز 48% من إجمالي الإنفاق. 

وعلى الجانب الآخر، تُظهر التحليلات الاقتصادية المنشورة في أغسطس 2026 عبثاً مالياً مهولاً داخل مناطق سيطرة الحوثيين؛ حيث تشير البيانات إلى تجاوز التزامات وخسائر الاقتصاد هناك حاجز 80 مليار دولار، منها ديون داخلية بنحو 15 مليار دولار نتيجة استنزاف أموال البنوك، المودعين، وصناديق التقاعد.

إن انعكاس هذا التجريف المالي على حياة المواطن اليمني يبدو كارثياً، حيث تشير إحصاءات عام 2026 إلى أن أكثر من 70% من اليمنيين باتوا يعيشون تحت خط الفقر الوطني، وتواجه نسبة تتجاوز 53% من السكان مستويات حرجة من الأزمة الغذائية وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، بالتزامن مع تراجع حاد في التمويل الدولي؛ حيث بقيت خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 ممولة بنسبة تقل عن 15% فقط من الاحتياج الفعلي، مما يؤكد أن خناجر الجباية لم تعد مجرد آلية لتحصيل الأموال، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لامتصاص السيولة وتحويل المنشآت الخدمية والصحية إلى مشاريع استثمارية نفعية تعمق معاناة ملايين المواطنين لصالح تمويل نزاع عسكري طويل الأمد.