تكتيكات الخنادق والأنفاق.. كيف تعيد الميليشيا الحوثية رسم خريطة الجغرافيا العسكرية حول المدن المحاصرة؟
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو السماء لمراقبة الضربات الجوية وحروب الطائرات المسيّرة في اليمن، تجري تحت الأرض معركة صامتة لا تقل خطورة وضراوة.
ففي ظل تصاعد المواجهات الشرسة في مختلف الجبهات اليمنية، برزت تكتيكات حفر الخنادق والأنفاق الحربية كأحد أهم الروافد الاستراتيجية التي تعتمد عليها ميليشيا الحوثي لفرض واقع جغرافي وعسكري جديد حول المدن المحاصرة وفي خطوط التماس الرئيسية.
لم يعد الحفر مجرد تحصينات دفاعية بدائية، بل تحول وفق دراسات عسكرية حديثة إلى إعادة رسم شاملة لخرائط القتال البري وتغيير جذري لمعادلات السيطرة الميدانية في اليمن.
هندسة الأنفاق
تاريخياً، استفادت الميليشيا الحوثية من الطبيعة الجبلية الوعرة لمعاقلها التقليدية في صعدة، مستغلةً الكهوف الطبيعية كأداة للصمود في الحروب السابقة.
إلا أن التقارير الاستخباراتية وصور الأقمار الصناعية الحديثة المستعرضة من قِبل المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية تكشف عن قفزة نوعية في هذا التكتيك.
تجاوزت المليشيا مرحلة الملاجئ البسيطة إلى بناء وتوسيع منشآت عسكرية ضخمة وممتدة تحت الأرض. شملت هذه العمليات تحديث الأنفاق القديمة التابعة للجيش اليمني قبل الحرب، وحفر شبكات جديدة بالكامل تتسع لمرور الآليات العسكرية الكبيرة، وتضم غرف عمليات متكاملة، ومخازن للأسلحة الثقيلة والصواريخ، ومستشفيات ميدانية محمية تماماً من الرصد الجوي.
وتؤكد مصادر عسكرية يمنية ميدانية أن هذه الطفرة الهندسية تمت بإشراف مباشر ودعم فني متقدم من خبراء ومستشارين تابعين لحرس الثورة الإيراني وحزب الله اللبناني.
خنق المدن وإعادة رسم الجغرافيا العسكرية
تتجلى خطورة هذا التكتيك في كيفية توظيفه لفرض الحصار وخنق المدن الحيوية التي تشهد مواجهات محتدمة.
حصار تعز المستمر
حول تعز، استخدمت الميليشيا الأنفاق والخنادق الملتفة لربط المرتفعات الجبلية المطلة على المدينة. هذا الأسلوب يتيح لعناصرها التنقل السريع ونقل الذخائر دون التعرض لنيران القوات الحكومية، مما يعزز قدرتها على استدامة الحصار المفروض على المدينة من منافذها الرئيسية.
تحصينات الساحل الغربي والحديدة
يمتد التكتيك ليطول السواحل الغربية؛ حيث أفاد مركز إعلام السلطة المحلية بالحديدة برصد شبكات أنفاق واسعة تمتد من أطراف مديرية بيت الفقيه وصولاً إلى مديرية الحالي.
تخترق هذه الخنادق الأحياء السكنية والمزارع، وتحاذي الطرق الاستراتيجية لتشكل شبكة دفاعية وهجومية معقدة تموه منصات إطلاق الصواريخ وتحد من فاعلية أي تقدم بري للقوات المشتركة.
طوق إب والتمويه العسكري
لم تسلم المحافظات الوسطى مثل إب؛ إذ رصدت تقارير، وناشطون, وصحفيون عمليات حفر وتفجير صخور متواصلة في مديريات السياني وذي السفال والسبرة، لبناء أنفاق ونشر منصات صاروخية فوق المرتفعات، مما يقيد حركة السكان المحليين ويؤسس لخطوط دفاعية خلفية تحسباً لأي تغير في خارطة التحالفات الميدانية.
التداعيات الميدانية
فرضت استراتيجية حرب الأعماق، تحديات بالغة التعقيد أمام خطط الجيش الوطني اليمني المعترف به دولياً والتحالف الداعم له، من حيث، حياد التفوق الجوي... تمنح المنشآت المحصنة تحت الصخور حماية شبه كاملة لعناصر الميليشيا وعتادها من الضربات الجوية، مما يقلل من فاعلية سلاح الجو في تدمير القدرات الصاروخية ومخازن المسيرات.
وكذا تكتيك الأنساق الدفاعية؛ تعتمد المليشيا على ثلاثة أنساق قتالية مدعومة بالخناق الصخرية، مما يجعل أي عملية اقتحام بري مكلفة للغاية من الناحية البشرية والعسكرية، ويحول المعارك إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
بالإضافة إلى الدروع البشرية الرقمية، حيث يتم حفر الخنادق أسفل الأحياء الآهلة بالسكان والمزارع يضع المدنيين في خط النار المباشر، ويجعل من استهداف هذه المواقع خطراً حقوقياً وإنسانياً تلتزم القوات الحكومية بتجنبه.
الأثر الإنساني
لا تتوقف آثار هذه الأنفاق عند البعد العسكري فحسب، بل تمتد لتخلق كارثة إنسانية متفاقمة. وثقت تقارير المنظمات الدولية والمحلية موجات نزوح واسعة للعائلات القاطنة في محيط مناطق الحفر، هرباً من تحويل قراهم ومزارعهم إلى ثكنات عسكرية تحت أرضية. وتترافق أعمال الحفر مع زراعة شبكات مكثفة من الألغام الأرضية لحماية مداخل الأنفاق، مما حرم آلاف المزارعين من مصادر رزقهم وجعل من مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية مناطق موت موقوت يهدد الأجيال القادمة.
مواجهة التهديد المدفون
تثبت المعطيات الميدانية وبحسب خبراء عسكريين، أن تكتيكات الأنفاق والخيارات الدفاعية تحت الأرض باتت الركيزة الأساسية التي تدير بها ميليشيا الحوثي معاركها حول المدن المحاصرة وضد خطوط إمداد الحكومة الشرعية، وأن إفشال هذه الاستراتيجية لا يمكن أن يتحقق بالوسائل العسكرية التقليدية وحدها، بل يتطلب من الجيش الوطني اليمني تطوير قدرات استخباراتية وتكنولوجية متقدمة للكشف عن أعماق الأرض، بالتوازي مع قطع خطوط الإمداد اللوجستي والهندسي التي تغذي آلات الحفر الحوثية، لضمان عدم تحول باطن الأرض اليمنية إلى شرك دائم يبتلع فرص الاستقرار والسلام.