خلف شاشات الصغار.. الألعاب الرقمية كسلاح حوثي ناعم للاستقطاب الحربي

بينما تنشغل بنادق ومدافع المليشيا الحوثية الانقلابية في إشعال الجبهات التقليدية، تدير أجهزتها التقنية والعقائدية حرباً موازية لا تقل ضراوة خلف شاشات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية للأطفال. 

وفي تطور خطير يعكس انتقال المليشيا من أساليب التعبئة التقليدية في المدارس والمساجد إلى الفضاء السيبراني، كشفت تقارير استخباراتية وحقوقية حديثة عن استخدام مليشيا الحوثي لمنصات الألعاب الرقمية ومجتمعات الإنترنت كقنوات سرية وناعمة لاختراق عقول المراهقين والأطفال. هذا الاستقطاب الرقمي الخفي يمثل سلاحاً حوثياً موجهاً لهدم الأسرة اليمنية وتغذية جبهات القتال بجيل يتم غسل دماغه وافتراسه، افتراضياً قبل سحبه إلى متارس الموت.

منصات الألعاب كشباك للاستدراج

أصدرت المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن الدولي، تقريراً حديثاً في سبتمبر 2026، حذرت فيه صراحة من تصاعد استغلال الجماعات المسلحة المتطرفة لمنصات الألعاب الإلكترونية ومجتمعات الإنترنت الحرة مثل "ديسكورد" (Discord)، و"تويتش" (Twitch)، و"ستريم" (Stream) لاصطياد وتجنيد الأطفال والمراهقين. وفي اليمن، التقطت المنظومة الأمنية للمليشيا الحوثية هذه الإستراتيجية وحولتها إلى سياسة ممنهجة.

تعتمد المليشيا على "مشرفين تقنيين" مدربين يتسللون إلى خوادم الألعاب القتالية الجماعية (مثل PUBG وFree Fire) الشائعة بين أوساط صغار السن في اليمن. تبدأ العملية ببناء علاقات صداقة افتراضية وتوزيع "جوائز رقمية" أو بطاقات شحن مجانية للألعاب لكسب ثقة الطفل، لتتحول غرف الدردشة الصوتية تدريجياً من الحديث عن اللعب إلى بث الأناشيد الحربية ("الزوامل")، ونشر مقاطع مرئية عنيفة تعرض هجمات المليشيا، وربط "البطولة الافتراضية" في اللعبة بـ"البطولة الحقيقية" في ميادين القتال.

 صناعة الانتحاري الافتراضي.. التعديل السلوكي وحشو الأدمغة

تتجاوز خطورة هذا الأسلوب الفكرة التقليدية المتمثلة في التجنيد بالإكراه أو عبر الإغراء المالي الفوري. ويرى خبراء من ومنظمات حقوقية، أن المليشيا تهدف من خلال الألعاب الرقمية والمحتوى العنيف إلى إحداث عملية تعديل سلوكي مبرمج، وعزل كامل للطفل عن بيئته الحقيقية وسلطة والديه.

من خلال تكرار هتافات وشعارات المليشيا داخل المجموعات المغلقة عبر الإنترنت، يتم تخدير وعي الطفل وجعله يتقبل العنف كأمر طبيعي. وبحسب تقارير "تحالف العدالة من أجل اليمن"، فإن الفئة العمرية ما بين 13 و17 عاماً هي الأكثر عرضة لهذا النوع من القرصنة العقلية. 

ويتحول الطفل المستهدف تدريجياً من لاعب يبحث عن التسلية إلى انتحاري افتراضي، متشبع بالأفكار الطائفية، مما يسهل على المندوبين الميدانيين للمليشيا في الأحياء السكنية بصنعاء وعمران وذمار التقاطه ونقله المباشر إلى معسكرات التدريب دون علم أسرته.

 أرقام صادمة لضحايا التفخيخ العقلي والرقمي

تكشف الإحصائيات الموثقة الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الشريكة عن الحجم المخيف للمأساة، حيث تُحمّل التقارير الأممية المليشيا الحوثية المسلحة النصيب الأكبر من جرائم تجنيد الأطفال في اليمن بنسبة تتجاوز 77% من إجمالي الحالات.

ورصدت تقارير لجان الخبراء ومؤسسات مثل، مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، قيام الحوثيين بتجنيد ما يزيد عن 11,310 أطفال بشكل موثق منذ بداية الانقلاب.

وتشير تقديرات حقوقية إلى أن العدد الحقيقي يتجاوز 30,000 طفل جرى الزج بهم كوقود للمعارك.

مجلس الأمن وثق في تقاريره السنوية مقتل أكثر من 2000 طفل مجند لدى الحوثيين في فترات قياسية، والذين تمت إعادتهم إلى أهاليهم في صناديق خشبية بعد أن تم اختطافهم من المدارس أو استدراجهم عبر وسائط التكنولوجيا الحديثة.

تهشيم النسيج الأسري والهروب من الواقع

تعد العائلات اليمنية في مناطق سيطرة الانقلاب الضحية الخفية لهذه الجريمة؛ فالآباء الذين يظنون أن أبناءهم يجلسون بأمان في غرفهم يمارسون الألعاب الإلكترونية، يستيقظون غالباً على فاجعة اختفاء أطفالهم أو وصول أنباء مقتلهم في الساحل الغربي أو أطراف مأرب. وتستغل المليشيا الانهيار الاقتصادي، وقطع المرتبات، وحالة الإحباط العام والهروب من الواقع التي يعيشها الشباب، لتقدم لهم هذه المساحات الافتراضية الملوثة كبديل يوفر لهم التقدير والبدائل المالية، والوعود الزائفة.

إن عسكرة الطفولة عبر تطبيقات وشاشات الهواتف هي الإدانة الصارخة والأكثر وضوحاً لعدم إيمان المليشيا الحوثية بالسلام، وإصرارها على تفخيخ مستقبل الأجيال القادمة. 

كما أن  سلاح الاستقطاب الناعم، يفرض على المنظمات الدولية والأسر اليمنية ووسائل الإعلام والجهات التعليمية ضرورة الانتقال إلى مرحلة الرقابة الرقمية الصارمة والتوعية التكنولوجية المضادة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من طفولة اليمن المهددة بالإبادة الفكرية والعسكرية الحوثية.