قلق الحوثي على وقع مآلات سقوط نظام علي خامنئي
ليست الزلازل السياسية تلك التي تُقاس بدرجة الصوت في الساحات وحدها، بل تلك التي تبدأ همساً في الوعي، ثم تتحول إلى ارتجاف بطيء في البنى التي ظنّت نفسها أبدية.
في لحظات كهذه، لا تسقط الأنظمة دفعة واحدة، بل تتشقق الفكرة التي قامت عليها، ويتصدع المعنى قبل أن ينهار الجدار.
وما يجري اليوم في الداخل الإيراني ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات الثقيلة، التي لا تُرى آثارها فوراً، لكنها تُشعر من يراقبها عن قرب بأن شيئاً كبيراً لم يعد كما كان، وأن زمن المسلّمات المطلقة يقترب من نهاياته المحتملة.
في هذا المناخ الملبد بالأسئلة، تتابع مليشيا الحوثي المشهد الإيراني بقلق صامت، قلق لا تعلنه في بيانات ولا تصوغه في خطب، لكنه يتسلل إلى خطابها المرتبك، وإلى تشددها المتزايد في الداخل، وإلى نزعتها المحمومة لإغلاق كل نافذة يمكن أن يدخل منها الشك.
فحين يتجرأ الشارع الإيراني على مساءلة السلطة، ويتحول الاحتجاج من مطلب معيشي إلى سؤال وجودي يطول رأس النظام المتمثل في علي خامنئي، فإن الارتدادات لا تبقى حبيسة الجغرافيا، بل تمتد إلى كل مشروع استعار من هذا النموذج روحه ولغته ومبررات بقائه.
القلق الحوثي هنا ليس قلق حليف يخشى على حليف، بل قلق نسخة تخشى على أصلها.
فالجماعة التي بنت تصورها للسلطة على فكرة الولاية، وقدّمت نفسها بوصفها امتداداً دينياً وسياسياً لنموذج عابر للحدود، تدرك أن اهتزاز هذا النموذج في مركزه يضعها أمام فراغ معنوي قبل أن يكون سياسياً. لأن السلطة التي تستمد شرعيتها من فكرة مقدسة، حين تفقد تلك الفكرة بريقها، تجد نفسها عارية أمام مجتمع لم يمنحها تفويضاً، ولم يرَ فيها يوماً أكثر من انقلاب صادر الدولة والحريات والحقوق معززة بقوة مفروضة بالسلاح.
تتعمق هذه المخاوف مع تصاعد الحديث عن موقع الحرس الثوري الإيراني، الذي لم يكن مجرد مؤسسة عسكرية، بل حاملاً لفكرة الثورة، الخمينية المتعجرفة وأداة لإدارة النفوذ خارج الحدود، وجسراً يربط المركز بالأطراف.
أي تصدع في هذا الجسر، أو انشغاله بحماية الداخل من الغضب المتراكم، يعني أن الأطراف ستشعر بالوحدة، وأن المشاريع التابعة ستكتشف هشاشتها بعيداً عن ظل القوة التي طالما احتمت بها.
الحوثيون يعرفون أن قوتهم لم تكن يوماً نابعة من قبول اجتماعي واسع، بل من معادلة دعم خارجية وفرت لهم ما عجزوا عن إنتاجه داخلياً.
الأكثر إقلاقاً للمليشيا ليس احتمال السقوط بذاته فحسب، بل حتمية الانتقال والعدوى.
فالتجربة الإيرانية، بكل ثقلها الديني والأمني، حين تتعرض للاهتزاز، تُسقط معها وهم الخلود الذي تتغذى عليه الأنظمة المؤدلجة، والمليشيات الانقلابية المسلحة.
وإذا كان الإيراني قد كسر حاجز الخوف بعد عقود من القمع، فإن اليمني، الذي يعيش تحت وطأة الفقر والجبايات وانقطاع الرواتب وتدهور الخدمات، ومصادرة حقوقه وحرياته, ونهب أمواله وثرواته، قد يكتشف بدوره أن الصمت ليس قدراً، وأن السلطة التي لا تُراجع تتحول إلى عبء أخلاقي قبل أن تكون عبئاً سياسياً.
لهذا تبدو المليشيا أكثر تشدداً، وأكثر انغلاقاً، وأكثر حرصاً على إعادة إنتاج خطاب تعبوي يربط بين الطاعة والإيمان، وبين الاعتراض والخيانة.
إنها محاولة لتعويض تصدع في المعنى، لا لتعزيز شرعية حقيقية.
فحين تهتز الفكرة في مركزها، لا تنقذها كثافة الشعارات ولا وفرة القمع، بل يسرّع ذلك من استنزافها.
في المحصلة، ما يقلق الحوثيين اليوم ليس مجرد سيناريو سقوط نظام في طهران، بل احتمال انهيار سردية كاملة قامت على تقديس المرجعية الطائفية المتعجرفة، واحتكار الحقيقة، وتحويل الدين إلى أداة حكم. فالمشاريع التي تُبنى على الاستعارة لا تعيش طويلاً، بعد اهتزاز الأصل، وحين يبدأ المركز في التساؤل عن ذاته، تصبح الأطراف أول من يشعر بثقل النهاية، حتى وإن حاولت إنكارها.