مأرب وتعز خارج معادلة البنك المركزي.. من يدير الإيرادات العامة ولماذا لا تصل إلى خزينة الدولة؟

في بلدٍ تتآكل فيه مؤسسات الدولة تحت وطأة الحرب والانقسام، لم يعد ملف الإيرادات مجرد شأن مالي تقني، بل تحول إلى قضية سيادية تمس جوهر الدولة ووظيفتها الأساسية.

فبينما يفترض أن تتدفق الموارد العامة إلى البنك المركزي بعدن بوصفه القلب النابض للاقتصاد الوطني، تكشف الوقائع عن مسار مغاير في عدد من المحافظات اليمنية، وعلى رأسها مأرب وتعز، حيث تُدار هذه الإيرادات خارج الإطار المركزي، في مشهد يثير أسئلة حادة حول طبيعة السلطة، ومآلات الدولة، وحدود النفوذ السياسي في زمن الحرب.

هذا التقرير يرصد ملامح هذا الملف المعقد، ويستعرض ما ورد في تقارير اقتصادية وإعلامية، ويحلل طبيعة الحقائق المتداولة، في ظل غياب منظومة رقابية موحدة قادرة على الحسم.

الدولة الغائبة… كيف تفكك النظام المالي؟

منذ انقلاب مليشيات الحوثي واندلاع الحرب مع تفاقم الانقسام السياسي، دخلت المؤسسات المالية اليمنية مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب. 

نقل البنك المركزي إلى عدن كان محاولة لإعادة ترتيب المشهد النقدي، غير أن هذه الخطوة اصطدمت بواقع ميداني مختلف، حيث لم تعد الحكومة تمتلك السيطرة الكاملة على مواردها في مختلف المحافظات.

ومع تراجع الدور المركزي، بدأت السلطات المحلية الخاضعة لهيمنة حزب التجمع اليمني للإصلاح (فرع تنظيم الاخوان باليمن) في عدد من المناطق بإدارة مواردها بشكل مباشر، تحت مسميات ومبررات بدافع الضرورة او نتيجة لغياب التنسيق، ما أدى إلى نشوء ما يمكن وصفه بـاقتصاد محلي مستقل، لكل محافظة فيه آلياتها الخاصة في الجباية والإنفاق.

في هذا السياق، برزت مأرب وتعز كنموذجين واضحين لهذا التحول، حيث تتدفق الإيرادات، لكنها لا تصل  إلى القنوات الرسمية للدولة.

مأرب… ثروة النفط بين الضرورة والسيطرة المحلية

تمثل مأرب واحدة من أهم المحافظات اليمنية من حيث الموارد، إذ تضم أبرز حقول النفط والغاز، ما يجعلها ركيزة أساسية لأي معادلة اقتصادية وطنية.

ومع ذلك، فإن إدارة هذه الموارد لم تعد محكومة بقرارات مركزية، بل تخضع إلى حد كبير لسلطة محلية نشأت في ظل الحرب تحت ادارة وسيطرة الاخوان باليمن.

تشير تقارير اقتصادية إلى أن  عائدات النفط والغاز، إضافة إلى الضرائب والرسوم المحلية، يتم الاحتفاظ بها داخل المحافظة تحت مبرر تغطية نفقات الأمن والخدمات ورواتب القوات المنتشرة فيها.

ويبرر مسؤولون هذا التوجه المتمثل بقيادة الحزب بغياب التمويل المنتظم من الحكومة المركزية، وأن الاعتماد على الموارد المحلية أصبح خياراً اضطرارياً لضمان الاستقرار.

لكن هذا الواقع يواجه رفضاً منطقياً وانتقادات متصاعدة، حيث يرى خبراء أن استمرار إدارة هذه الإيرادات خارج البنك المركزي اضعف قدرة الدولة على استعادة دورها، وكرس نموذج “الاستقلال المالي غير المعلن”، وغير القانوني  الذي  تحول مع الوقت إلى حالة دائمة يصعب تفكيكها.

تعز.. جبايات خارج الدولة

في تعز، هي الاخري التي يهيمن عليها حزب الإصلاح تتخذ القضية طابعاً أكثر تعقيداً، واكثر ابتعاداً عن الالية المركزية للموارد والنفقات.  فالمحافظة التي تعد من أكبر التجمعات السكانية في اليمن، تشهد نشاطاً اقتصادياً واسعاً، يقابله نظام جباية متشعب وكبير.

تقارير إعلامية واقتصادية قانونية تؤكد وجود رسوم تُفرض على البضائع والشاحنات، إضافة إلى ضرائب على سلع محلية مثل القات والوقود، مع إشارات إلى أن  هذه الإيرادات لا يتم توريدها إلى البنك المركزي، بعدن بل تدار عبر قنوات محلية يديرها حزب الإصلاح في تعز.

هذا الوضع أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً مع ورود معلومات عن رفض توجيهات حكومية في معظم الحالات بتوريد الأموال، وهو ما فُسر من قبل منتقدين وخبراء واقتصاديين على أنه مؤشر على ضعف الالتزام بالمنظومة المالية الرسمية.

في المقابل، تستمر قيادات الإخوان التبرير  بأن هذه الإجراءات تأتي في إطار محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، في ظل محدودية الموارد المركزية، ما يعكس مرة أخرى حالة التداخل بين الضرورة والاختلال.

البنك المركزي في عدن… مركز بلا أطراف

رغم الجهود المبذولة لإعادة تفعيل دور البنك المركزي في عدن، إلا أن قدرته على فرض سيطرة فعلية على جميع الإيرادات تبقى محدودة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بامتناع الجهات عن التوريد، بل بغياب منظومة متكاملة تضمن تدفق الموارد من مختلف المحافظات.

هذا الوضع خلق فجوة مالية كبيرة، انعكست على قدرة الحكومة الشرعية في دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية، كما ساهم في تفاقم أزمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.

ويشير خبراء إلى أن استمرار هذا الانقسام المالي يجعل أي سياسة نقدية عرضة للفشل، في ظل وجود أكثر من مركز فعلي لإدارة الأموال.

النفوذ الحزبي

في خضم هذا المشهد، برزت حقيقة الاجراء المالي والايرادي غير القانوني وتحميل مسؤولية ذلك حزب الإصلاح فهو المتصدر الوحيد دور إدارة الإيرادات في كل من مأرب وتعز باعتباره المهيمن والمسيطر على المحافظتين بمؤسساتها المدنية والعسكرية والايرادية وهو من يمتلك نفوذاً في القرار المالي فيهما.

عدد من  التقارير تشير إلى أن شخصيات محسوبة على الحزب تشارك في إدارة الموارد والتأثير على آليات توزيعها، فيما تشير معلومات إلى استفادة غير مباشرة لصالح الحزب من بقاء الإيرادات خارج الإطار المركزي، حيث تتداخل ادوار وهيمنة ونفوذ حزب الاصلاح على السلطات المحلية والقيادات العسكرية والإدارية، ما يؤكد هيمنته على صنع وتوجيه القرار الاداري والمالي في محافظتي تعز ومأرب.

بين الرواية الرسمية والواقع الذي يفرضه حزب الإصلاح

الرواية الرسمية تؤكد أن جميع الإيرادات يجب أن تُورد إلى البنك المركزي، باعتبارها ملكاً للدولة، وأن أي تصرف خارج هذا الإطار يمثل مخالفة للقانون.

في المقابل، يطرح قيادات حزب الاصلاح معادلة مختلفة، لا تستند الى اي منطق ونص قانوني بمبرر أن السلطات المحلية في المحافظتين تجد نفسها أمام تحديات يومية تتطلب حلولاً فورية، في ظل غياب الدعم المركزي، ما يدفعها إلى الاعتماد على الموارد المتاحة لديها.

وبين هذين المسارين، تتشكل منطقة واضحة للتجاوز والانحراف المؤسسي والمالي مهما كانت المبررات. حيث إن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ ادى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وخلق شبكات نفوذ يصعب تفكيكها حالياً.

من يدفع الثمن؟

في نهاية المطاف، لا تقف آثار هذا الانقسام عند حدود المؤسسات، بل تمتد إلى حياة المواطنين، الذين يجدون أنفسهم أمام واقع اقتصادي صعب: تأخر الرواتب، تدهور الخدمات، ارتفاع الأسعار، وانهيار العملة، كلها نتائج مباشرة لغياب نظام مالي موحد، قادر على إدارة الموارد بشكل عادل وشفاف.

مستقبل الدولة… ضرورة استعادة المركز؟

أن إعادة توحيد النظام المالي في الحكومة الشرعية تعد ضرورة هامة ورئيسية لا غنى عنها لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة. فمن دون مركز مالي قوي، ستظل البلاد عرضة لمزيد من التفكك، وستبقى الإيرادات أداة للصراع بدلاً من أن تكون وسيلة للتنمية.

ويتطلب ذلك خطوات جادة وفعلية، تبدأ بإعادة بناء الثقة بين المركز والمحافظات، وتمر بتعزيز الشفافية والرقابة، وتنتهي بإيجاد صيغة توازن بين متطلبات الواقع وضرورات الدولة.

 

خاتمة… دولة على مفترق طرق

ما بين مأرب وتعز، تتجلى أزمة اليمن بأوضح صورها: دولة تحاول استعادة نفسها، وواقع يفرض معادلات مختلفة.

وبين الاتهامات والتجاوزات والتبريرات، يبقى الثابت الوحيد هو أن استمرار هذا الوضع يهدد بإطالة أمد الأزمة، ويجعل من إعادة بناء الدولة مهمة أكثر تعقيداً.

وفي ظل هذا المشهد، لا يبدو أن الحل يكمن في خلق المبررات للعبث المؤسسي والمالي غير المركزي بقدر ما يكمن في بناء منظومة قادرة على استيعاب اهمية المركزية المالية، وإعادة توجيه الموارد نحو هدف واحد: إنقاذ الدولة قبل أن تتلاشى بالكامل.