شبكات المال والنفوذ.. كيف تُعيد إيران تشكيل السلطة في العراق عبر مرشحي رئاسة الوزراء؟

منذ عام 2018، صنّفت الولايات المتحدة عدداً من رجال الأعمال والبنوك العراقية ضمن شبكة تسهّل وصول إيران والفصائل المسلحة إلى الدولار، وتساعدها على الالتفاف على العقوبات وتمويل نفوذها داخل مؤسسات الدولة العراقية.

ووفق هذا التصور، شكّلت هذه الشبكة جزءاً من بنية "الاقتصاد السياسي" الذي أتاح للمليشيا التحول من جماعات مسلحة إلى مراكز نفوذ مؤثرة في قطاعات المال والمصارف والعقود والمؤسسات الحكومية. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه الشبكة: علي غلام، وسليم أحمد، وعقيل مفتن، وعلي الزيدي.

وذكر تقرير صادر عن "منتدى الشرق الأوسط" أن تحالفات "الإطار التنسيقي" المدعومة من إيران اختارت الزيدي مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء، عقب صراع داخلي برز بين محمد شياع السوداني ونوري المالكي. 

ويرتبط الزيدي ببنك الجنوب الإسلامي، أحد البنوك العراقية التي مُنعت من التعامل بالدولار بموجب إجراءات اتخذها البنك المركزي العراقي تحت ضغوط أمريكية، على خلفية اتهامات بغسل الأموال وتهريب العملة واستخدامها بشكل غير قانوني. 

كما يملك الزيدي "مجموعة العويس" التي تنشط في قطاعات متعددة تشمل الأغذية والزراعة والبناء والنفط والخدمات الأمنية، في وقت تُثار حوله مزاعم تتعلق بالفساد.

وبحسب التقرير، الذي أعده الصحفي والباحث العراقي المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة، علي محمود، يأتي ترشيح الزيدي في سياق تصاعد نفوذ قيس الخزعلي، زعيم "عصائب أهل الحق"، داخل مؤسسات الدولة. 

نفوذ إيران في العراق

وفي بغداد، يُنظر إلى الزيدي باعتباره مرشحاً مدعوماً من الخزعلي، بدعم من فائق زيدان، رئيس محكمة التمييز، في خطوة تعكس استمرار التزامه بخط "الإطار التنسيقي".

ويرى التقرير أن زيدان كان بإمكانه تبني مسار يحدّ من نفوذ إيران والفصائل المسلحة، إلا أنه فضّل الحفاظ على التوازنات القائمة.

وأشار التقرير إلى أن الخزعلي لم يعد يعتمد فقط على قوته العسكرية أو تمثيله البرلماني، بل عمل خلال السنوات الأخيرة على توسيع نفوذه داخل المؤسسات الأمنية والاقتصادية والسياسية. 

اختلافات جوهرية.. الشرع والخزعلي

بعد أحداث الاشتباكات في المنطقة الخضراء مع أنصار رجل الدين مقتدى الصدر، سعى إلى تقديم نفسه كضامن لاستقرار النظام السياسي، وهو ما عزز موقعه داخل بنية الدولة.

وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى أن الخزعلي، إلى جانب نفوذه السياسي ومصالحه الاقتصادية، عزز حضوره داخل مؤسسات أمنية حساسة، من بينها جهاز مكافحة الإرهاب، خاصة بعد إقالة عبد الوهاب السعدي وصعود قيادات يُنظر إليها على أنها أقرب إلى أحزاب “الإطار”.

وأشار التقرير إلى أن وصول مرشح محسوب عليه إلى رئاسة الوزراء قد ينقل نفوذه من مستوى التأثير داخل الحكومة إلى مستوى أقرب إلى السيطرة الشاملة عليها.

في المقابل، يروّج أنصار الخزعلي داخل بغداد لفكرة أن الولايات المتحدة قد تتقبله كشريك واقع، وأن واشنطن قد تتعامل معه بطريقة مشابهة لتعاملها مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي انتقل من تصنيف "إرهابي" إلى رئيس مؤقت.

ويهدف هذا الطرح إلى تقديم الخزعلي كفاعل سياسي يمكن التعامل معه لضمان الاستقرار وتوحيد الفصائل. غير أن التقرير يشير إلى اختلافات جوهرية، إذ برز الشرع في سياق إقليمي مختلف وبدعم أوسع، بينما ينتمي الخزعلي إلى شبكة معقدة من النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي المدعوم من إيران، والتي يُنظر إليها على أنها أسهمت في تقويض السيادة العراقية.

شبهات مالية وتجارية

وتبرز مفارقة لافتة، بحسب التقرير، في أن واشنطن التي مارست ضغوطاً لسنوات على البنوك العراقية وشبكات الدولار للحد من التفاف إيران على العقوبات، تبدو حالياً أكثر انفتاحاً على التعامل مع الزيدي كمرشح محتمل لرئاسة الوزراء.

ويضيف التقرير أن هذا القبول يثير إشكاليات إضافية، إذ لا يتعلق الأمر فقط بمرشح تحيط به شبهات مالية وتجارية، بل أيضاً بشخص يُنظر إليه في الأوساط السياسية العراقية على أنه قريب من الخزعلي، زعيم فصيل تصنّفه الولايات المتحدة منظمة إرهابية ومرتبط بإيران.

ويشير التقرير إلى أن الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو يدعمان نهجاً يقترب من سياسة إدارة جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن، والتي تقوم على التعامل مع "الإطار التنسيقي" كشريك في تحقيق الاستقرار، وليس كوكيل لإيران.

وقد حظي هذا التوجه بدعم في بعض الدوائر السياسية، فيما تعمل فيكتوريا تايلور، من موقعها في المجلس الأطلسي، على الدفع نحو مقاربة تقوم على تطبيع العلاقات مع فصيل الخزعلي، انطلاقاً من فرضية أن الخيارات البديلة محدودة.

ومن زاوية دستورية، يشير التقرير إلى أن ترشيح الزيدي قد لا يكون نهائياً، إذ تنص المادة 76 من الدستور العراقي على منح رئيس الوزراء المكلف مهلة ثلاثين يوماً لتشكيل الحكومة، وفي حال الإخفاق يتم تكليف مرشح آخر. 

ويرى التقرير أن هذا الترشيح قد يكون تكتيكاً مرحلياً لكسب الوقت، ريثما تتضح ملامح التوتر بين واشنطن وطهران، مع بقاء رئاسة الوزراء ضمن دائرة النفوذ ذاتها.

واختتم، أنه في حال نجحت شبكة الخزعلي، المدعومة بالموارد المالية والفصائل المسلحة، في تشكيل الحكومة، فإن ذلك قد يمنح إيران فرصة إضافية تمتد لأربع سنوات لتعزيز نفوذها، وتوسيع قدرتها على الالتفاف على العقوبات، وترسيخ حضور حلفائها داخل مؤسسات الدولة العراقية.