اقتصاد الحرب.. من يربح من جوع اليمنيين؟

منذ أكثر من عشر سنوات، يعيش اليمن واحدة من أكثر الأزمات الاقتصادية تعقيداً في تاريخه الحديث، بعدما تحولت الحرب من صراع سياسي وعسكري إلى منظومة اقتصادية متكاملة أعادت تشكيل ملامح السوق والسلطة والثروة في البلاد.

فمع انهيار مؤسسات الدولة وتراجع الاقتصاد الرسمي، برزت شبكات نفوذ جديدة راكمت الأموال والمصالح من خلال الجبايات والسوق السوداء والتحكم بالموارد والمساعدات، بينما انزلق ملايين اليمنيين نحو الفقر والجوع وانعدام الأمن الامن المعيشي.

جاءت سنوات الصراع والحرب والانقلاب لتدفع الاقتصاد نحو مرحلة غير مسبوقة من التدهور، حيث فقدت العملة المحلية جزءًا كبيرًا من قيمتها، وارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية بصورة متسارعة، فيما تراجعت فرص العمل والإنتاج والاستثمار إلى مستويات خطيرة.

لكن خلف هذا الانهيار، تشكلت طبقة جديدة من المستفيدين الذين وجدوا في الحرب فرصة لبناء ثروات ونفوذ واسع، في وقت أصبح فيه المواطن اليمني العادي يدفع ثمن الصراع من قوته اليومي ومستقبل أطفاله وحياته المعيشية.

ويرى اقتصاديون أن أخطر ما أفرزته الحرب لا يتمثل فقط في تدمير الاقتصاد الرسمي، بل في ظهور ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، وهو اقتصاد قائم على الأزمات والانقسام والاحتكار والجباية، بحيث تصبح الحرب نفسها مصدرًا دائمًا للربح والنفوذ بالنسبة لبعض الأطراف.

الحرب التي ابتلعت مؤسسات الاقتصاد

قبل اندلاع الحرب، كانت مؤسسات الدولة قادرة على إدارة الحد الكافي من النشاط الاقتصادي والخدمات العامة.

لكن مع احداث 2011 التي كانت السبب الرئيسي لانهيار الدولة في اليمن ومع سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، وما تبع ذلك من انقسام سياسي وعسكري، دخل الاقتصاد اليمني في مرحلة انهيار متسارع، خصوصًا بعد توقف تصدير النفط والغاز لفترات طويلة، وانقسام البنك المركزي والمؤسسات المالية، وتراجع الإيرادات العامة.

وخلال سنوات الحرب، فقدت الدولة قدرتها على إدارة السوق بصورة طبيعية، بينما ظهرت سلطات اقتصادية موازية مرتبطة بالقوى المسيطرة على الأرض، لتتحول الموارد والأسواق إلى أدوات نفوذ تستخدمها الجماعات المسلحة ومراكز القوى السياسية والعسكرية.

كما أدى الانقسام النقدي بين صنعاء وعدن إلى خلق ما يشبه “اقتصادين” داخل بلد واحد، حيث اختلفت السياسات المالية والنقدية وأسعار الصرف والتعاملات البنكية، الأمر الذي زاد من تعقيد الأزمة الاقتصادية وأثقل كاهل المواطنين.

ويرى خبراء أن استمرار هذا الانقسام ساهم في تفكك البنية الاقتصادية الوطنية، وخلق بيئة خصبة لازدهار المضاربات والسوق السوداء والأنشطة غير الرسمية، في ظل غياب دولة موحدة قادرة على ضبط الاقتصاد وحماية السوق.

الجبايات.. اقتصاد موازٍ يلتهم الأسواق

في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي تحولت الجبايات إلى أحد أبرز ملامح اقتصاد الحرب، حيث فُرضت رسوم وإتاوات متعددة على التجار وأصحاب المحلات والأسواق والباعة وحتى الفئات الفقيرة تحت مسميات مختلفة.

وباتت الأسواق الشعبية والمراكز التجارية تعيش تحت ضغط حملات جباية مستمرة، بينما يشكو تجار من تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات بصورة غير قانونية، في ظل غياب الرقابة المؤسسية الفعلية.

وفي صنعاء ومدن أخرى، يقول تجار إن تكاليف الجبايات والرسوم الإضافية انعكست بصورة مباشرة على أسعار السلع، ما زاد من معاناة المواطنين الذين يواجهون أصلًا انهيارًا حادًا في القدرة الشرائية.

ولم تعد هذه الجبايات مقتصرة على كبار التجار فقط، بل امتدت إلى الباعة المتجولين وأصحاب البسطات الصغيرة، في وقت يكافح فيه كثير من اليمنيين لتأمين الحد الأدنى من الدخل اليومي.

ويرى مراقبون أن هذه الجبايات أصبحت تمثل مصدر تمويل أساسيًا ضمن اقتصاد الحرب، خصوصًا في ظل تراجع الإيرادات الرسمية واتساع نفوذ الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالمليشيا.

السوق السوداء.. الوجه الخفي للحرب

واحدة من أكثر الظواهر التي برزت خلال سنوات الحرب هي اتساع السوق السوداء، التي أصبحت تتحكم في كثير من القطاعات الحيوية، من الوقود والعملة إلى المواد الغذائية والسلع الأساسية.

فمع سيطرة مليشيا الحوثي علي معظم المحافظات اليمنية وغياب الدولة ومؤسساتها الرقابية تشكلت شبكات واسعة تستفيد من الأزمات وندرة السلع وتقلبات العملة لتحقيق أرباح ضخمة على حساب المواطنين.

وخلال هذه  الأزمات المركبة كثيرًا ما شهد اليمن أزمات وقود وارتفاعات حادة في الأسعار، بينما كانت السوق السوداء تتحكم بالكميات والأسعار بصورة غير رسمية، الأمر الذي زاد من معاناة المواطنين والقطاع الخاص.

كما ساهم الانقسام النقدي في توسيع نشاط المضاربين وشبكات الصرافة غير المنظمة، حيث أصبحت أسعار الصرف والتعاملات المالية عرضة لتقلبات حادة أثرت بصورة مباشرة على الأسواق والأسعار ومستوى المعيشة.

ويرى اقتصاديون أن الحرب أوجدت بيئة مثالية لازدهار الاقتصاد غير الرسمي، بحيث أصبحت الفوضى والانقسام جزءًا من دورة الربح بالنسبة لبعض الشبكات التي تستفيد من غياب الدولة والقانون.

المساعدات الإنسانية بين الحاجة والاستغلال

مع تصاعد الأزمة الإنسانية، تحول اليمن إلى واحدة من أكبر ساحات العمل الإغاثي في العالم، حيث يعتمد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية لتأمين الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية.

لكن العمل الإنساني لم يكن بمنأى عن تأثيرات الحرب والنفوذ السياسي، إذ تحدثت تقارير دولية ومحلية عن تدخلات وقيود وممارسات أثرت على توزيع المساعدات في بعض المناطق.

ويرى مراقبون أن المساعدات تحولت في معظم الأحيان إلى جزء من معادلة النفوذ والسيطرة، سواء عبر التحكم بقوائم المستفيدين أو فرض الرسوم أو استخدام الملف الإنساني لأغراض سياسية وإعلامية.

وفي المقابل، تواجه المنظمات الإنسانية تحديات كبيرة مرتبطة بالتمويل والقيود الأمنية والإدارية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، الأمر الذي يزيد من تعقيد الوضع الإنساني في البلاد.

ومع استمرار الصراع والانقلاب الحوثي، بات ملايين اليمنيين يعيشون في دائرة الاعتماد على الإغاثة، في وقت تتراجع فيه فرص التنمية الحقيقية واستعادة النشاط الاقتصادي الطبيعي.

طبقة الحرب الجديدة

خلال سنوات الحرب ومنذ سيطرة مليشيا الحوثي، ظهرت في اليمن طبقة جديدة من رجال النفوذ والأعمال المرتبطين باقتصاد الحرب، تمكنت من تكوين ثروات كبيرة من خلال التجارة والجبايات والاحتكار والتحكم بالموارد والأسواق.

ويرى اقتصاديون أن الحرب أعادت توزيع الثروة بصورة غير متوازنة، بحيث تركزت الأموال والنفوذ بيد مجموعات محددة، بينما تآكلت الطبقة الوسطى واتسعت دائرة الفقر بين غالبية السكان.

وفي كثير من الحالات، أصبحت العلاقات السياسية والعسكرية عاملًا حاسمًا في السيطرة على الأنشطة الاقتصادية وتحقيق الأرباح، بدلًا من المنافسة الطبيعية أو الاستثمار الحقيقي.

كما برزت شبكات مصالح مرتبطة باستمرار الحرب والانقسام، الأمر الذي يجعل بعض القوى ترى في السلام تهديدًا مباشرًا لمكاسبها الاقتصادية والنفوذ الذي راكمته خلال سنوات الصراع.

ويرى محللون أن تفكيك هذه الشبكات سيكون واحدًا من أصعب التحديات أمام أي عملية سلام أو إعادة بناء مستقبلية في اليمن.

الموظف اليمني.. الضحية المنسية

في مقابل صعود اقتصاد الحرب، كان الموظف اليمني واحدًا من أكثر الفئات تضررًا من الانهيار الاقتصادي، خصوصًا مع انقطاع المرتبات أو تراجع قيمتها بصورة كبيرة نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار.

وبات ملايين الموظفين عاجزين عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم، بينما لجأ كثير من العائلات إلى تقليص الإنفاق أو بيع ممتلكاتها أو البحث عن مصادر دخل إضافية للبقاء.

كما أدى هذا الواقع إلى تدهور الخدمات العامة وهجرة الكفاءات وتراجع أداء المؤسسات الحكومية، في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على الوظيفة العامة كمصدر رئيسي للدخل.

وفي الأسواق، تبدو آثار هذه الأزمة واضحة على حياة اليمنيين الذين باتوا يواجهون ارتفاعًا مستمرًا في أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والخدمات الأساسية، في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية بصورة يومية.

الجوع بوصفه نتيجة للحرب المستمرة

لم يعد الجوع في اليمن مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل أصبح جزءًا من الواقع اليومي لملايين الأسر التي تكافح من أجل تأمين وجبة غذائية أو الحصول على الدواء والخدمات الأساسية.

وفي كثير من المناطق، دفعت الأوضاع الاقتصادية القاسية أطفالًا إلى سوق العمل في سن مبكرة، بينما خرج آخرون من المدارس بسبب الفقر أو النزوح أو غياب الاستقرار.

كما ارتفعت معدلات سوء التغذية بصورة مقلقة، خصوصًا بين الأطفال والنساء، في ظل انهيار النظام الصحي وارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الدعم الإنساني.

ويرى مختصون أن أخطر ما في اقتصاد الحرب لا يكمن فقط في الخسائر المالية، بل في آثاره الاجتماعية والإنسانية طويلة المدى، التي تهدد مستقبل جيل كامل نشأ في بيئة يغلب عليها الفقر والخوف وانعدام الاستقرار.

السلام الذي تخشاه شبكات المصالح

رغم الحديث المتكرر عن السلام والتسويات السياسية، ما تزال الحرب مستمرة بصورة أو بأخرى، وسط تعقيدات سياسية وعسكرية واقتصادية متشابكة.

ويرى مراقبون أن أحد أسباب تعثر السلام  يتمثل في وجود شبكات مصالح واسعة ارتبطت ببقاء الحرب والانقسام، سواء عبر الجبايات أو التهريب أو السوق السوداء أو السيطرة على الموارد.

فبعد سنوات من الصراع، والحرب أصبحت الحرب بالنسبة لبعض القوى مصدرًا دائمًا للنفوذ والربح، الأمر الذي يجعل إنهاءها أكثر تعقيدًا من مجرد توقيع اتفاق سياسي أو إعلان هدنة.

ولهذا، يؤكد اقتصاديون أن أي تسوية حقيقية في اليمن لن تكون ممكنة دون تفكيك اقتصاد الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة النظام الاقتصادي القائم على القانون والشفافية والمؤسسات.

اليمنيون بين الصمود والإنهاك

في المدن والقرى والأسواق الشعبية، تبدو آثار الحرب الاقتصادية واضحة على وجوه اليمنيين الذين أنهكتهم سنوات الصراع والجوع والانهيار المعيشي.

ورغم كل ذلك، ما يزال كثير من اليمنيين يحاولون التمسك بالحياة والعمل والبقاء، في بلد أصبحت فيه أبسط الاحتياجات اليومية تمثل معركة مستمرة.

لكن خلف هذا الصمود تختبئ معاناة هائلة يعيشها ملايين اليمنيين الذين وجدوا أنفسهم رهائن لحرب طويلة أفرزت شبكات ثراء ونفوذ على حساب الفقراء والجائعين.

وفي بلد تتداخل فيه السياسة بالسلاح، والجوع بالمصالح، والاقتصاد بالنفوذ، يبقى السؤال الأكثر قسوة معلقًا فوق حياة اليمنيين: متى يتم انهاء انقلاب مليشيا حولت اليمن إلى اقطاعية خاصة لها ومن يوقف حرباً بات البعض يربح منها أكثر مما يخسر؟