إرادة الوحدة في مواجهة التشظي.. قراءة في دور الزعيم صالح
يأتي العيد السادس والثلاثون لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية في لحظة فارقة يمر بها اليمن، وسط تحديات سياسية وأمنية واقتصادية غير مسبوقة تهدد كيان الدولة الوطنية ومفهوم الهوية الجامعة، لتعيد إلى الواجهة واحداً من أهم المنجزات التاريخية التي شهدها اليمن الحديث، باعتبار الوحدة اليمنية المشروع الوطني الأكبر الذي استطاع تجاوز عقود طويلة من الانقسام والتشطير والصراعات السياسية والأيديولوجية.
وتحمل هذه المناسبة الوطنية دلالات عميقة تتجاوز حدود الاحتفاء الرمزي بذكرى سياسية، إذ تفتح الباب مجدداً أمام مراجعة التجربة الوحدوية بكل ما حملته من طموحات وإنجازات ومحاولات افشال، كما تعيد طرح التساؤلات المتعلقة بمستقبل الدولة اليمنية وإمكانية استعادة المشروع الجمهوري في مواجهة مشاريع التشظي والانقسامات والحروب التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الأخيرة.
وفي قلب هذا الحدث التاريخي يبرز اسم علي عبدالله صالح بوصفه الشخصية السياسية الأكثر ارتباطاً بمشروع الوحدة اليمنية، ليس فقط باعتباره أحد الموقعين على اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية، بل باعتباره أيضاً الرجل الاول الذي قاد واحدة من أعقد المراحل السياسية في تاريخ اليمن المعاصر، واستطاع تحويل حلم الوحدة من مشروع مؤجل إلى واقع سياسي ودستوري قائم.
حلم تاريخي ومسار طويل من التضحيات
لم تكن الوحدة اليمنية وليدة لحظة سياسية عابرة أو نتيجة تفاهمات مؤقتة فرضتها الظروف الإقليمية والدولية، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من النضال الوطني الذي حملته أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر باعتبار الوحدة هدفاً استراتيجياً لاستكمال بناء الدولة اليمنية الحديثة وإنهاء آثار الإمامة والاستعمار والتشطير.
وعلى امتداد سنوات طويلة ظلت فكرة الوحدة حاضرة في وجدان اليمنيين شمالاً وجنوباً، رغم التباينات السياسية والأيديولوجية التي حكمت شطري البلاد خلال عقود ما قبل 1990، حيث شهدت تلك المرحلة صراعات حدودية وحروباً متقطعة، غير أن الإرادة السياسية لدى القيادات الوطنية ظلت تدفع باتجاه إبقاء مشروع الوحدة قائماً بوصفه هدفاً قومياً وتاريخياً.
وشهدت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي سلسلة من الاتفاقيات واللقاءات السياسية بين قيادتي الشطرين، بدءاً من اتفاقية طرابلس واتفاق الكويت وصولاً إلى اللقاءات الحاسمة التي مهّدت لإعلان الجمهورية اليمنية في الثاني والعشرين من مايو عام 1990.
الزعيم صالح وإدارة التحول التاريخي
يذهب كثير من المراقبين إلى أن نجاح مشروع الوحدة اليمنية ارتبط إلى حد كبير بقدرة القيادة السياسية حينها على إدارة التوازنات المعقدة داخلياً وخارجياً، وفي مقدمة تلك القيادات علي عبدالله صالح الذي لعب دوراً محورياً في تحويل فكرة الوحدة إلى مشروع قابل للتنفيذ.
ففي وقت كانت المنطقة تشهد تحولات دولية متسارعة مع نهاية الحرب الباردة وسقوط العديد من الأنظمة والتحالفات التقليدية، استطاع صالح أن يدير حواراً سياسياً مع قيادة الجنوب قاد في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية وتنظيم المرحلة الانتقالية عام 1990.
ويرى متابعون للشأن اليمني أن أهمية الدور الذي لعبه صالح لم تقتصر على توقيع الاتفاق السياسي، بل امتدت إلى إدارة مرحلة حساسة ومعقدة شهدت دمج مؤسسات دولتين مختلفتين سياسياً وإدارياً وعسكرياً، في تجربة وحدوية وُصفت بأنها من أكثر التجارب العربية جرأة في ذلك الوقت.
وقد شكّل رفع العلم اليمني في مدينة عدن لحظة فارقة في التاريخ اليمني الحديث، حيث أعلن قيام دولة الوحدة بوصفها مشروعاً اندماجياً كاملاً أنهى رسمياً حالة التشطير بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
التعددية السياسية وبناء الدولة الحديثة
مثّل إعلان الوحدة اليمنية تحولاً جذرياً في شكل النظام السياسي اليمني، إذ شهدت البلاد بعد عام 1990 انفتاحاً سياسياً واسعاً تمثل في إقرار التعددية الحزبية وحرية الصحافة وإجراء الانتخابات البرلمانية وتوسيع هامش العمل السياسي والنقابي.
واعتبرت تلك المرحلة من أبرز التجارب الديمقراطية الناشئة في شبه الجزيرة العربية والمنطقة العربية، خصوصاً مع اتساع مساحة المشاركة السياسية وظهور عشرات الأحزاب والصحف ومنظمات المجتمع المدني.
كما شهد اليمن خلال سنوات ما بعد الوحدة توسعاً ملحوظاً في مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة، حيث تم تنفيذ شبكات طرق استراتيجية وربط المحافظات بشبكة نقل حديثة، إضافة إلى تطوير الموانئ والمطارات والتوسع في قطاع التعليم العالي وإنشاء الجامعات والمعاهد الفنية والتقنية.
وامتدت التحولات أيضاً إلى قطاعات النفط والغاز والاتصالات، فضلاً عن تعزيز الحضور اليمني في محيطه الإقليمي والدولي من خلال سياسة خارجية نشطة استطاعت تحقيق اختراقات مهمة، كان أبرزها توقيع معاهدة جدة لترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية عام 2000، وهي الاتفاقية التي اعتُبرت خطوة استراتيجية لتعزيز الاستقرار الإقليمي وإنهاء أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ العلاقات بين البلدين.
تحديات الوحدة وإرهاصات الأزمة
ورغم أهمية المنجز الوحدوي، فإن التجربة اليمنية لم تكن معزولة عن التحديات والصراعات التي رافقت عملية دمج النظامين السياسيين والإداريين في الشمال والجنوب، حيث بدأت مشاريع التشظي تظهر على المشهد اليمني بالتصاعد تدريجياً خلال السنوات الأولى للوحدة، وصولاً إلى أزمة 1994 التي انتهت بحرب داخلية ومحاولة إعلان الانفصال.
وأفرزت تلك المرحلة العديد من التجاذبات السياسية والإدارية والاقتصادية، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالمحافظات الجنوبية، وهي ملفات ظلت حاضرة في الخطاب السياسي اليمني خلال العقود اللاحقة.
غير أن الزعيم صالح والمؤتمر الشعبي العام ظلوا يؤكدون أن معالجة تلك الاختلالات يجب أن تتم في إطار الحفاظ على الدولة اليمنية الموحدة، بعيداً عن مشاريع الانقسام والتفكيك.
وفي هذا السياق برزت مبادرات متعددة لمعالجة قضايا الأراضي والموظفين المبعدين وإعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية، إلى جانب الدعوات لتعزيز اللامركزية الإدارية وتوسيع المشاركة السياسية والتنموية بما يحقق العدالة والمواطنة المتساوية.
الوحدة في مواجهة مشاريع التشظي
أعادت احداث الفوضى التي شهدها اليمن عام 2011 وما تلى ذلك طرح قضية الوحدة اليمنية في سياق أكثر تعقيداً، خصوصاً مع الانقلاب الحوثي وتصاعد النزعات المناطقية والانقسامات السياسية وتراجع سلطة الدولة المركزية.
غير أن الانقلاب الذي قادته مليشيا الحوثي عام 2014 مثّل، وفق كثير من القوى السياسية اليمنية، أخطر تهديد واجه الدولة اليمنية منذ إعلان الوحدة، بعدما أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة واندلاع الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية.
وسعت مليشيات الحوثي إلى فرض مشروع ذي طابع طائفي وسلالي قائم على إعادة إنتاج أنماط الحكم الإمامي وتقويض مؤسسات الجمهورية، الأمر الذي أدى إلى تعميق الانقسامات الداخلية وتمزيق النسيج الاجتماعي اليمني.
كما تسببت الحرب في تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية والخدمية وارتفاع معدلات الفقر والنزوح، فضلاً عن تهديد أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما منح القضية اليمنية أبعاداً إقليمية ودولية تتجاوز حدود الصراع الداخلي. وهو ما حذر منه الرئيس علي عبدالله صالح في وقت مبكر.
وفي مواجهة هذه التحديات برزت دعوات متزايدة داخل الأوساط السياسية والشعبية للتمسك بالوحدة اليمنية باعتبارها الإطار الوطني القادر على حماية اليمن من مشاريع التفكيك والانهيار.
ويرى مراقبون أن مستقبل الوحدة اليمنية بات مرتبطاً بقدرة القوى السياسية على بناء دولة عادلة قائمة على المواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية وسيادة القانون، بعيداً عن الإقصاء والهيمنة والصراعات المناطقية.
كما أن الحفاظ على الوحدة لم يعد مرتبطاً فقط بالشعارات السياسية، بل أصبح مرهوناً بوجود مشروع دولة حديثة قادرة على تلبية تطلعات اليمنيين في الأمن والاستقرار والتنمية والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق تبرز دعوات متكررة داخل الأوساط الجمهورية والوحدوية لإطلاق مشروع مصالحة وطنية شاملة يعيد ترميم النسيج الاجتماعي ويؤسس لمرحلة جديدة من التوافق السياسي والشراكة الوطنية.
استعادة الدولة كمدخل لحماية الوحدة
تفرض المرحلة الراهنة على القوى الوطنية اليمنية، بمختلف توجهاتها، إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على الهدف المركزي المتمثل في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب وبناء سلام دائم قائم على الشراكة الوطنية وسيادة القانون.
كما تتطلب عملية استعادة الدولة إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية، وتعزيز مؤسسات القضاء والإدارة، وإطلاق إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة تعالج جذور الأزمة اليمنية.
ويرى كثير من المتابعين أن أي مشروع مستقبلي لإنقاذ اليمن لن يكون قابلاً للحياة ما لم يستند إلى الحفاظ على وحدة البلاد باعتبارها الضامن الرئيسي للاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني.
وفي المقابل، فإن استمرار حالة الانقسام والتشظي من شأنه أن يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية ويحول اليمن إلى ساحة صراعات مفتوحة تهدد أمن المنطقة بأكملها.
الوحدة اليمنية بين الماضي والمستقبل
بعد ستة وثلاثين عاماً على إعلان الجمهورية اليمنية، لا تزال الوحدة تمثل بالنسبة لقطاع واسع من اليمنيين واحداً من أهم المنجزات الوطنية في التاريخ المعاصر، رغم كل ما تعرضت له من أزمات وتحديات وصراعات.
وتبقى الوحدة اليمنية جزءاً أساسياً من الذاكرة الوطنية اليمنية، باعتبارها المشروع الذي أعاد رسم ملامح الدولة اليمنية الحديثة وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التحولات السياسية والاجتماعية.
وفي ظل ما يعيشه اليمن اليوم من حرب وانقسام وانهيار اقتصادي، تبدو استعادة الدولة والحفاظ على الوحدة الوطنية مشروعاً وجودياً يرتبط بمستقبل اليمنيين وبحقهم في بناء دولة عادلة وآمنة ومستقرة.
وبين إرادة الوحدة التي صنعت حدث الثاني والعشرين من مايو، والتحديات التي تواجه اليمن اليوم، تبقى الحاجة قائمة إلى مشروع وطني جامع يعيد لليمن توازنه وهويته ومكانته، ويؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز الحرب والانقسام نحو أفق الدولة والاستقرار والسلام.